حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عاهدْتُ اللهَ تعالَى مُذْ يفَعتُشببت أنْ لا أؤخِّرَ الصّلاةَ ما استَطَعْتُ فكنتُ مع جوْبِقطع الفلَواتِ ولهْوِ الخلَواتِمواطن الخلوة أُراعي أوْقاتَ الصّلاةِ وأحاذِرُ منْ مأثَمِ الفَواتِ وإذا رافَقْتُ في رِحلَةٍ أو حللْتُنزلت بحِلّةٍ مرْحَبْتُقلت مرحبا بصَوْتِ الدّاعي إليْها واقتَدَيْتُ بمنْ يُحافِظُ عليْها فاتّفَقَ حينَ دخلْتُ تفْليسَ أن صلّيتُ معَ زُمْرَةٍفئة مَفاليسَفقراء
فلمّا قضيْنا الصّلاةَ وأزْمَعْنا الانفِلاتَالانصراف برزَ شيخٌ بادِيظاهر اللَّقوَةِ باليمهترئ الكُسوَةِ والقُوّةِ
فقالَ: عزمْتُ على منْ خُلِقَ منْ طينَةِ الحُريّةِ وتفوّقَ دَرَّنفيس العصبيّةِالتكاتف إلا ما تكلّفَ لي لُبْثَةًوقفة واستمَعَ منيبلي نَفثَةًكلمة موجزة
ثمّ لهُ الخِيارُ منْ بعْدُ وبيدِهِ البذْلُ والرّدُّ فعقَدَ لهُ القومُ الحُبَى ورسَوْا أمْثالَ الرُبى
فلمّا آنَس حُسْنَ إنْصاتِهمْسكوتهم ورَزانَةَ حَصاتِهِمْالعقل
قال: يا أولي الأبْصارِ الرّامِقَةِالناظرة والبَصائِرِ الرّائِقَةِالمعجبة أمَا يُغْني عنِ الخبَرِ العِيانُالمعاينة ويُنْبئُ عنِ النّارِ الدخانُ؟ شَيبٌ لائِحٌظاهر ووهْنٌ فادِحٌجسيم وداءٌ واضِحٌ والباطِنُ فاضِحٌمخزٍ ولقدْ كُنتُ واللهِ ممّنْ ملَكَ ومالَ ووَليَ وآلَ ورفَدَ وأنالَ ووصَلَ وصالَ فلمْ تزَلِ الجَوائِحُالمصائب تسْحَتُتمحو والنّوائِبُ تنْحَتُتؤذي
حتى الوَكْرُالعش قَفْرٌخالٍ والكفُّ صَفْرٌ والشّعارُ ضُرٌّأذى والعيشُ مُرٌّ والصّبْيَةُ يتَضاغَوْنَيتألمون من الطّوىالجوع ويتمنّونَ مُصاصَةَما يمص النّوى ولمْ أقُمْ هذا المَقامَ الشّائنَالمخزي وأكشِفْ لكُمُ الدّفائِنَالمخفيات إلا بعْدَما شَقيتُ ولُقيتُ وشِبْتُ ممّا لَقيتُ فلَيتَني لمْ أكُنْ بَقيتُ
ثمّ تأوّهَ تأوّهَ الأسيفِالحزين
وأنشدَ بصوتٍ ضَعيفٍ:
أشْكو الى الرّحْمنِ سُبْحانَهُ
تقلُّبَ الدّهْرِ وعُدْوانَهُ
وحادِثاتٍ قرعَتْ مَرْوَتي
وقوّضَتْ مَجدي وبُنْيانَهُ
واهْتصَرَتْ عودي ويا ويلَ منْ
تهتَصِرُتكسر الأحداثُ أغصانَهُ
وأمحَلَتْ ربْعيَ حتى جلَتْطردت
منْ ربْعيَ المُمْحِلِلا نبات فيه جِرْذانَهُ
وغادرَتْني حائِراً بائِراًهالكا
أُكابِدُ الفَقْرَ وأشْجانَهُ
منْ بعْدِ ما كنتُ أخا ثروَةٍ
يسحَبُ في النّعْمَةِ أرْدانَهُأذياله
يختَبِطُيطلب العافونَالطالبون أوْراقَهُ
ويحْمَدُ السّارونَالماشون بالليل نيرانَهُ
فأصبحَ اليومَ كأنْ لمْ يكُنْ
أعانَهُ الدّهرُ الذي عانَهُأصابه بالعين
وازْوَرّ مَنْ كانَ لهُ زائِراً
وعافَ عافي العُرْفِ عِرْفانَهُمعرفته
فهلْ فتًى يحْزُنُهُ ما يَرى
منْ ضُرّ شيخٍ دهْرُهُ خانَهُ
فيَفْرِجَ الهَمَّ الذي همَّهُأذابه
ويُصلِحَ الشّانَ الذي شانَهُعابه
قال الرّاوي: فصَبَتِ الجماعَةُ الى أن تستَثبِتَهُتحقق منه لتَستَنجِشَ خُبْأتَهُسرّه وتستَنفِضَ حَقيبتَهُ
فقالتْ لهُ: قد عرَفْنا قدْرَ رُتبتِكَ ورأيْنا دَرَّ مُزنَتِكَبلاغتك فعرّفْنا دوْحةَ شُعبَتِكَ واحْسِرِ اللّثامَ عنْ نِسبَتِكَ فأعْرَضَ إعْراضَ منْ مُنيَ بالإعْناتِ أو بُشّرَ بالبَناتِ وجعلَ يلعَنُ الضّروراتِ ويتأفّفُ منْ تغَيُّضِتنقص المُروءاتِ
ثمّ أنشدَ بلَفظٍ صادِعٍ
وجَرْسٍ خادِعٍ:
لعَمْرُكَ ما كُلُّ فرْعٍ يدُلّ
جَناهُ اللّذيذُ على أصلِهِ
فكُلْ ما حَلا حينَ تُؤتى بهِ
ولا تسألِ الشّهْدَ عنْ نحْلِهِنحلته
وميّزْ إذا ما اعتَصرْتَ الكُرومَ
سُلافَةَخلاصة الخمر عصْرِكَ منْ خَلّهِنقية
لتُغْلي وتُرْخِصَ عنْ خِبرَةٍ
وتشْريَ كُلاًّ شِرَى مثلِهِ
فعارٌ على الفَطِنِ اللّوذَعيّالبارع
دُخولُ الغَميزَةِالخطأ في عقلِهِ
قال: فازْدَهى القومُ بذَكائِهِ ودهائِه واختلَبَهُمْ بحُسْنِ أدائِهِ مع دائِهِ
حتى جمَعوا لهُ خَبايا الخُبَنِأطراف الثوب وخَفايا الثُّبَنِأطراف الرداء
وقالوا لهُ: يا هَذا إنكَ حُمْتَحلّقت على رَكِيّةٍبئر بَكيّةٍقليلة الماء وتعرّضْتَ لخَليّةٍ خليّةٍجبح النحل فخُذْ هذِه الصُّبابَةَالشيء القليل وهَبْها لا خطأً ولا إصابَةً فنزّلَ قُلَّهُمْ منزِلَةَ الكُثْرِ ووصَلَ قَبولَهُ بالشُكْرِ
ثمّ تولّى يجُرّ شِقَّهُ وينْهَبُ بالخَبْطِ طُرْقَهُ قالَ المُخبِرُ بهذِهِ الحِكايَةِ فصُوّرَ لي أنّهُ مُحيلٌمغيّر لحِلْيَتِهِ متصَنّعٌ في مِشيَتِهِ فنهَضْتُ أنْهَجُأسير في طريقه مِنْهاجَهُ وأقْفو أدراجَهُ وهوَ يلْحَظُنيينظرني شَزْراًجانب العين ويوسِعُني هجْراًتجني ومباعدة
حتى إذا خَلا الطّريقُ وأمْكَنَ التّحْقيقُ نظرَ إليّ نظرَ منْ هشّخفّ واهتزّ وبشّ وماحَضَ بعْدَما غشّخداع
وقال: إني لإخالُكَ أخا غُربَةٍ ورائِدَ صُحبَةٍ فهلْ لكَ في رَفيقٍ يَرفُقُيعينك بمال بكَ ويُرفِقُ ويَنفُقُ عليْك ويُنفِقُ؟
فقلتُ لهُ: لو أتاني هذا الرّفيقُ لواتاني التّوْفيقُ
فقال لي: قدْ وجَدْتَ فاغْتَبِطْ واستَكْرَمْتَ فارتَبِطْ
ثمّ ضحِكَ مليّاً وتمثّلَ لي بَشَراًإنسان سَوِيّاً
فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ لا قَلَبَةَتغيير أو تشوه بجسمِهِ ولا شُبهَةَشك أو ريب في وسْمِهِعلامته ففرِحْتُ بلُقيَتِهِ وكذِبِ لَقْوَتِهِ وهمَمْتُ بمَلامَتِهِ على سوء مَقامَتِهِمنزلته فشَحا فاهُ
وأنشدَ قبلَ أنْ ألْحاهُألومه:
ظهَرْتُ برَتٍّ لكَيْما يُقالَ
فقيرٌ يُزَجّييمضي الوقت الزّمانَ المُزَجّىالبطيء
وأظهرْتُ للنّاسِ أنْ قد فُلجتُنجحت
فكمْ نالَ قلْبي بهِ ما ترَجّى
ولوْلا الرّثاثَةُالبالية لمْ يُرْثَ لي
ولوْلا التّفالُجُالنجاح لمْ ألْقَ فُلْجالم أجد نجاحاً
ثمّ قال: إنّهُ لم يبْقَ لي بهذِه الأرضِ مرتَعٌمكان إقامة ولا في أهلِها مطْمَعٌطمع فإنْ كنتَ الرّفيقَ فالطّريقَ الطّريقَ فسِرْنا منها متجرِّدَينِمسرعين ورافَقْتُهُ عامَينِ أجرَدَينِتامين كاملين وكنتُ على أنْ أصحبَهُ ما عِشْتُ فأبى الدّهْرُ المُشِتُّالمفرق