حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نَباقلق بي مألَفُموطن الوطَنِ في شرْخِأول الزّمنِ لخَطْبٍ خُشِيَمخوف وخوفٍ غشِيَشامل فأرَقْتُ كأسَ الكَرىالنوم
ونصَصْتُ رِكابَ السُّرَىسير الليل وجُبْتُ في سَيْري وُعوراًطرق صعبة لمتطرق تُدَمّثْهاتسهّلها الخُطى ولا اهتَدَتْ إليْها القَطاطائر
حتى ورَدْتُ حِمَىمنطقة محرّمة الخِلافَةِ والحرَمَ العاصمَالمانع من المَخافةِالخوف فسرَوْتُأزلت إيجاسَالشعور الرّوْعِالخوف واستِشْعارَهُ وتسرْبَلْتُ لِباسَ الأمْنِ وشِعارَهُ وقصَرْتُ همّي على لذّةٍ أجتَنيهاأجنيها ومُلْحَةٍ أجْتَليهاأتأملها فبرَزْتُ يوْماً الى الحريمِمكان خاص لأرُوضَ طِرْفيفرسي وأُجيلَ في طُرْقِهِ طَرْفيفرسي
فإذا فُرْسانٌ مُتتالونَمتتابعون ورِجالٌ مُنثالونَمتفرقون وشيْخٌ طويلُ اللّسانِ قصيرُ الطّيلَسانِرداء
قد لَبّبَقُيد فتًىشاب جَديدَ الشّبابِ خلَقَبالٍ الجِلْبابِثوب واسع فركضْتُ في إثْرِفضّل النّظّارَةِالمتفرجون
حتى وافَيْنا بابَ الإمارَةِولاية وهُناكَ صاحِبُ المَعونَةِالمساعد مربِّعاً في دَسْتِهِمجلسه ومُروِّعاً بسَمْتِهِ
فقالَ لهُ الشيخُ: أعَزَّ اللهُ الواليَ وجعلَ كعْبَهُ العاليَ إني كفَلْتُضمن هذا الغُلامَ فَطيماًمنفصلاً وربّيتُهُ يَتيماً
ثمّ لمْ آلُهُأهمل تعْليماً
فلمّا مهَرَأجاد وبَهَرَ جرّدَسَلَّ سيْفَ العُدْوانِالظلم وشَهَرَ ولمْ إخَلْهُظنّ يلْتَوييعاند عليّ ويتّقِحُ حينَ يرتَوييكتفي منيأمنيات ويلْتَقِحُ
فقالَ لهُ الفتى: عَلامَ عثَرْتَوقفت مني
حتى تنشُرَتفضح هذا الخِزْيَالعار عني؟
فوَاللهِ ما ستَرْتُ وجْهَ بِرّكَ ولا هتَكْتُمزقت حِجابَ سِتْرِكَ ولا شقَقْتُخالفت عَصا أمرِكَ ولا ألغَيْتُتركت تِلاوَةَ شُكْرِكَ
فقالَ لهُ الشيخُ: ويْلَكَ وأيُّ رَيْبٍ أخْزىأضرّ منْ رَيْبِكَ وهلْ عيبٌ أفحَشُأقبح منْ عيبِكَ؟ وقدِ ادّعيتَنسبته لنفسك سِحْريبديع واستَلْحَقتَهُ وانتحَلْتَ شِعْري واستَرَقتَهُ؟ واستِراقُ الشّعرِشعر الجسد عندَ الشّعراء أفظَعُأقبح منْ سرِقَةِ البَيْضاء والصّفْراء وغَيرَتُهُمْ على بَناتِ الأفكارِالقصائد كغيرَتِهِمْ على البَناتِ الأبكارِ
فقالَ الوالي للشّيخِ: وهلْ حينَ سرَقَ سلَخَغيّر أم مسخَغيّر صورته أم نسَخَقلّد؟
فقال: والذي جعلَ الشّعْرَ ديوانَ العرَبِ وتَرْجُمانَ الأدَبِ ما أحْدَثَ سوى أن بتَرَقطع شمْلَنطاق شرْحِهِ وأغارَ على ثُلُثَيْ سَرْحِهِمرعاه
فقال لهُ: أنْشِدْ أبياتَكَ برمّتِهابكاملها ليتّضِحَ ما احتازَهُ منْ جُملَتِها
فأنشدَ:
يا خاطِبَطالب الدّنيا الدّنِيّةِ إنّها
شرَكُفخ الرّدىالهلاك وقَرارَةُ الأكدارِ
دارٌ متى ما أضْحكتْ في يومِها
أبْكَتْ غداً بُعْداً لها منْ دارِ
وإذا أظَلّ سَحابُها لم ينتَقِعْ
منْه صدًى لجَهامِهِ الغرّارِغزير
غاراتُها ما تنْقَضي وأسيرُها
لا يُفتَدىيُشترى بجلائِلِ الأخْطارِ
كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها حتى بَدا
متمَرّداً مُتجاوِزَ المِقْدارِ
قلَبَتْ لهُ ظهْرَ المِجَنّالترس وأولَغَتْ
فيهِ المُدىسكين ونزَتْ لأخْذِ الثّارِطلب الدم
فارْبأاحفظ نفسك بعُمرِكَ أن يمُرّ مُضَيَّعاً
فيها سُدًىعبثا من غيرِ ما استِظهارِعون
واقطَعْ علائِقَصلات حُبّها وطِلابِها
تلْقَ الهُدى ورَفاهَةَ الأسْرارِالبواطن
وارْقُبْ إذا ما سالَمتْصالحت من كيدِهامكرها
حرْبَ العَدى وتوثُّبَ الغَدّارِخائن
واعْلَمْ بأنّ خُطوبَهانوازلها تفْجاتأتي بغفلة ولوْ
طالَ المدى ووَنَتْ سُرى الأقدارِما يقدره الله
فقال لهُ الوالي: ثمّ ماذا صنعَ هذا؟
فقال: أقْدَمَ للُؤمِهِ في الجَزاء على أبْياتيَ السُداسيّةِ الأجْزاء فحذَفَ منها جُزءينِ ونقَصَ منْ أوزانِها وزْنَينِ
حتى صارَ الرُّزْء فيها رُزْءينِ
فقالَ له: بيّنْ ما أخذَ ومنْ أينَ فلَذَ؟
فقال: أرْعِني سمْعَكَ وأخْلِ للتّفَهُّمِ عني ذرْعَكَ
حتى تتبيّنَ كيفَ أصْلَتَ عليّ وتقْدُرَ قدْرَ اجْتِرامِهِ إليّ
ثم أنْشَدَ
وأنفاسُهُ تتصعّد:
يا خاطِبَ الدّنيا الدّنِيّ
ةِ إنّها شرَكُ الرّدى
دارٌ متى ما أضْحكت
في يومِها أبْكَتْ غدا
وإذا أظَلّ سَحابُها
لم ينتَقِعْ منْه صدى
غاراتُها ما تنْقَضي
وأسيرُها لا يُفتَدى
كمْ مُزْدَهًى بغُرورِها
حتى بَدا متمَرّدا
قلَبَتْ لهُ ظهْرَ المِجَ
نّ وأولَغَتْ فيهِ المُدى
فارْبأ بعُمرِكَ أن يمُرّ
مُضَيَّعاً فيها سُدىمهملا
واقطَعْ علائِقَ حُبّها وطِلابِها
تلْقَ الهُدى
وارْقُبْ إذا ما سالَمتْ
من كيدِها حرْبَ العَدى
واعْلَمْ بأنّ خُطوبَها
تفْجاتظهر فجأة ولوْ طالَ المدى
فالتفَتَ الوالي الى الغُلامِ وقال: تبّاً لكَ منْ خِرّيجٍالذي خرج بتعليمك مارِقٍخارج عن الطاعة
وتِلميذٍ سارِقٍ! فقالَ الفَتى: برِئْتُزلت وانفصلت منَ الأدَبِ وبَنيهِ ولحِقْتُ بمَنْ يُناويهِيعاديه ويقوّضُ مَبانِيهِ إنْ كانتْ أبياتُهُ نمَتْاتصلت الى عِلْمي قبلَ أن ألّفْتُجمعت شعري نظْمي وإنّما اتّفقَ تواردُاتفاق الخَواطِرِ كما قدْ يقَعُ الحافِرُ على الحافِرِ
قال: فكأنّ الواليَ جوّزَ صِدْقَ زعْمِهِادعاء فندِمَ على بادِرَةِبداية ذمّهِ فظَلّ يُفكّرُ في ما يكْشِفُ لهُ عنِخطر الحقائِقِ ويميّزُ بهِ الفائِقَ منَ المائِقِالخادع فلمْ يرَ إلا أخْذَهُما بالمُناضَلَةِ
ولزّهُما في قرَنِ المُساجَلَةِمبارزة شعرية
فقالَ لهُما: إنْ أرَدْتُما افتِضاحَانكشاف العاطِلِفارغ واتّضاحَ الحقّ منَ الباطِلِ فتَراسَلا في النّظْمِ وتبارَيا وتَجاوَلا في حلبَةِميدان السباق الإجازَةِمسابقة وتجارَيا ليهْلِكَ منْ هلَكَ عنْ بيّنَةٍحجة ويحْيا مَنْ حَيّجماعة عنْ بيّنَةٍالدليل فقالا بلِسان واحِدٍ
وجَوابٍ متوارِدٍمتفق: قدْ رضينا بسَبْرِكَقياسك وتجربتك فمُرْنا بأمرِكَ
فقال: إني مولَعٌشغوف من أنواعِ البَلاغَةِ بالتّجْنيسِ وأراهُ لها كالرّئيسِ فانظِما الآنَ عشَرَةَ أبياتٍ تُلحِمانِهاتنسجها بوَشْيِهِزخرفة وتُرَصّعانِها بحَلْيهِ وضمِّناها شرْحَ حالي معَ إلْفٍمعشوق لي بَديعِغريب الصّفَةِ ألمَىحمرة الشّفَةِ مَليحِ التّثَنّيتدلل كثيرِ التّيهِكبر والتّجَنّي مُغْرًىمولع بتَناسي العهْدِ وإطالَةِ الصّدّالإعراض وإخْلافِ الوعْدِ
وأنا لهُ كالعَبْدِ
قال: فبرَزَ الشيخُ مُجَلّياًبارزاً وتلاهُ الفَتى مُصَلّياً وتجارَيا بيْتاً فبَيْتاً على هذا النّسَقِ الى أن كمُلَ نظْمُ الأبياتِ واتّسَقَ
وهيَ:
وأحْوَى حَوىجمع رِقّي برِقّةِ ثغْرِهِفمه
وغادَرَني إلْفَ السُّهادِالأرق بغَدْرِهِ
تصدّى لقتْلي بالصّدودِ وإنّني
لَفي أسرِهِ مُذْ حازَ قلبي بأسْرِهِ
أصدّقُ منهُ الزّورَ خوْفَ ازْوِرارِهِ
وأرْضى استماعَ الهُجرِ خشية هجْرِهِ
وأستَعْذِبُ التّعْذيبَ منهُ وكلّما
أجَدّ عذابي جَدّ بي حُبّ بِرّهِ
تَناسى ذِمامي والتّناسي مذَمّةٌ
وأحفَظَ قلْبي وهْوَ حافِظُ سِرّهِ
وأعجَبُ ما فيهِ التّباهي بعُجْبِهِ
وأكْبِرُهُ عنْ أنْ أفوهَ بكِبرِهِ
لهُ منّيَ المدْحُ الذي طابَ نشْرُهُ
ولي منهُ طيُّ الوِدّ من بعْدِ نشْرِهِ
ولوْ كان عدلاً ما تجنّى وقد جَنىقطف
عليّ وغيري يجتَنييكتسب رشْفَتقبيل ثغرِهِ
ولوْلا تثَنّيهِتردده ثنَيْتُعطفت أعنّتيزمامي
بِداراً الى منْ أجْتَليأنظر نورَ بدرِهِوجهه
وإني على تصْريفِ أمري وأمرِهِ
أرى المُرّ حُلواً في انقِيادي لأمرِهِ
فلمّا أنشَداها الوالي مُتراسِلَينِ بُهِتَتحير لذَكاءيْهِما المُتعادِلَينِالمتماثلين
وقال: أشهَدُ باللهِ أنّكُم فرْقَدا سماءٍ وكزَنْدَينِ في وعاءٍ وأنّبطيء هذا الحدَثَ ليُنْفِقُ ممّا آتاهُ اللهُ ويستَغْني بوُجْدِهِ عمّنْ سِواهُ فتُبْ أيها الشيخُ منِ اتّهامِهِ وثُبْ الى إكْرامِهِ
فقالَ الشيخُ: هيهاتَبعد أن تُراجِعَهُ مِقَتيمحبتي أو تعْلَقَ بهِ ثِقَتي! وقدْ بلَوْتُ كُفْرانَهُ للصّنيعِ ومُنيتُ منهُ بالعُقوقِ الشّنيعِفظيع
فاعتَرَضَهُ الفتى وقال: يا هذا إنّ اللّجاجَالعناد شؤمٌنحس والحنَقَ لؤمٌالدناءة وتحقيقَ الظِّنّةِالريبة إثمٌ وإعْناتَ البَريء ظُلمٌ وهَبْني اقترَفْتُ جَريرةًذنب أوِ اجتَرَحْتُ كَبيرةً أمَا تذْكُرُ ما أنشَدْتَني لنفسِكَ
في إبّانِحين أُنسِكَألفتك:
سامِحْ أخاكَ إذا خلَطْمزج
منهُ الإصابَةَ بالغلَطْ
وتجافَ عنْ تعْنيفِهتوبيخ
إنْ زاغَانحرف يوماً أو قسَطْجار
واحفَظْ صَنيعَكَ عندَه
شكرَ الصّنيعَةَالإحسان أم غمَطْستر
وأطِعْهُ إنْ عاصَى وهُنْضعف
إنْ عَزّتصعّب وادْنُ إذا شحَطْابتعد
واقْنَاكتفِ الوَفاءَ ولَوْ أخ
لّ بما اشترَطْتَفرضت وما شرَطْ
واعْلَمْ بأنّكَ إن طلبْ
تَ مهذَّباًمؤدب رُمتَ الشّطَطْغلو
منْ ذا الذي ما ساء ق
طُّ ومنْ لهُ الحُسْنى فقطْ
أوَمَا تَرى المَحْبوبَ وال
مَكروهَ لُزّا في نمَطْطريقة
كالشّوْكِ يبْدو في الغُصو
نِ معَ الجَنيّالطري المُلتَقَطْالمُنتخَب
ولَذاذَةُ العُمرِ الطّوي
لِ يَشوبُهايخالطها نغَصُهم الشّمَطْالشيب
ولوِ انتقَدْتَ بَني الزّما
نِ وجَدتَ أكثرَهُم سقَطْ
رُضْتُروّضت البَلاغَةَ والبَرا
عَةَ والشّجاعَةَ والخِطَطْ
فوجَدتُ أحسنَ ما يُرى
سبْرَ العُلومِ معاً فقطْ
قال: فجعَلَ الشيخُ يُنَضْنِضُيرتعش نضْنَضَةَ الصِّلّ ويُحملِقُ حملَقَةَ البازي المُطِلّ
ثمّ قال: والذي زيّنَ السّماء بالشُّهُبِ وأنزلَ الماء من السُّحُبِ ما روْغيفراري عنِ الاصْطِلاحِ إلا لتَوْقّي الافتِضاحِ فإنّهالك هذا الفتى اعْتادَ أن أمونَهُأعتني به وأُراعيَ شُؤونَهُ وقد كانَ الدهرُ يسُحّيصب الرزق فلمْ أكُنْ أشُحّأكون بخيلاً فأمّا الآنَ فالوقْتُ عَبوسٌكئيب وحشْوُ العيْشِ بوسٌ حى إنّ بِزّتيثوبي هذه عارَةٌعارية وبيْتي لا تَطورُتقترب بهِ فارَةٌ
قال: فرَقّ لمَقالِهما قلبُ الوالي وأوى لهُما من غِيَرِ اللّيالي وصَبا الى اختِصاصِهِما بالإسعافِ وأمرَ النّظّارَةَمشاهدة بالانصِرافِ
قال الرّاوي: وكُنتُ متشوّفاً الى مرْأى الشيخِ لعلّي أعلَمُ عِلمَهُ
إذا عاينْتُ وَسْمَهُعلامته ولم يكُنِ الزّحامُ يسفِرُ عنْهُ ولا يُفرَجُ لي فأدنوَ منهُ
فلما تقوّضَتِتفرّقت الصّفوفُ وأجفَلَ الوقوفُ توسّمْتُهُنظرته فإذا هو أبو زيدٍ والفتى فتاهُ فعرَفْتُ حينئذ مغْزاهُمقصده في ما أتاهُ وكِدْتُ أنقَضُّانحط عليهِ لأستعْرِفَ إلَيهِ فزجَرَني بإيماضِ طرْفِهِ واستَوقفَني بإيماء كفّهِراحة اليد فلزِمْتُ موقِفي وأخّرْتُ منصَرَفي
فقال الوالي: ما مَرامُكَمرادك ولأي سببٍ مُقامُكَتلبّثك ووقوفك؟
فابتدَرَهُ الشيخُ وقال: إنهُ أنيسيصاحبي وصاحِبُ ملْبوسي فتسمّحَ عندَ هذا القولِ بتأنيسي ورخّصَ في جُلوسي
ثمّ أفاضَصبّ عليهِما خِلعتَينِكسوتين ووصلَهُما بنِصابٍ منَ العينِالذهب واستعْهَدَهُما أن يتَعاشَرايتصاحبا بالمعروفِ الى إظْلالِقرب ودنو اليوم المَخوفِيوم موته فنَهضا منْ نادِيهِمجلسه مُنشِدَينِ بشُكْرِ أياديهِنعمه وتبعْتُهُما لأعرِف مثواهُمامسكنهما وأتزوّدَ من نجْواهُما
فلمّا أجَزْناخلّفنا حِمى الوالي وأفضَيْنا الى الفضاءِالمتّسع من الأرض الخالي أدركَني أحدُ جلاوِزَتِهشرطه مُهيباًداعيا بي الى حوزَتِهموضعه
فقلتُ لأبي زيدٍ: ما أظنّهُ استَحْضَرَنيطلب حضوري إلا ليَستَخبِرَني فماذا أقولُ وفي أيّ وادٍ معَهُ أجولُأتصرف وأمشي؟
فقال: بيّنْ لهُ غَباوَةَجهل قلبِهِ وتلْعابي بلُبّهِبعقله ليعْلَمَ أنّ ريحَهُ لاقَتْ إعصاراً وجدوَلَهُ صادَفَ تيّاراً
فقلتُ: أخافُ أن يتّقدَ غضَبُهُسخط فيلْفَحَكَ لهَبُهُ أو يستَشْريَينتشر طيْشُهُخفته من الغضب فيسرِيَ إليكَ بطْشُهُإيقاعه وتناوله بما يكره
فقال: إني أرحَلُ الآن الى الرُّهى وأنّى يلْتَقي سُهَيلٌ والسُّهَى؟ فلمّا حضرْتُ الواليَ وقد خَلا مجلِسُهُ وانجلَى تعبُّسُهُ أخذ يصِفُ أبا زيدٍ وفضلَهُ ويذُمّ الدهرَ لهُ
ثمّ قال: نشَدْتُك اللهَ ألَسْتَ الذي أعارَهُ الدَّسْتَ؟
فقلت: لا والذي أحلّكَ في هذا الدَّسْتِ ما أنا بصاحِبِ ذلِك الدّسْتِ بل أنت الذي تمّ عليهِ الدّسْتُ فازْوَرّتْ مُقلَتاهُعيناه واحمرّتْ وجْنَتاهُ
وقال: واللهِ ما أعجزَني قطُّالدهر فضْحُ مُريبٍ ولا تكْشِيفُ مَعيبٍ
ولكِنْ ما سمِعْتُ بأنّ شيخاً دلّسَ بعدَما تطلّسَ وتقلّسَ فبِهذا تمّ لهُ أنْ لبّسَ أفتَدْري أينَ سكَعَ ذلِك اللُّكَعُ؟
قلت: أشفَقَ منْكَ لتَعَدّي طورِهِ فظعَنَ عنْ بغْدغدَ منْ فورِهِ
فقال: لا قرّبَ اللهُ لهُ نَوىفراق أو بعد ولا كلأهُ أينَ ثوَى فما زاوَلْتُ أشَدّ منْ نُكرِهِ ولا ذُقْتُ أمَرّ منْ مكْرِهِ ولوْلا حُرمَةُ أدبِهِ لأوْغَلْتُ في طلَبِهِ الى أن يقَعَ في يَدي فأُوقِعَ به وإني لأكرَهُ أن تَشيعَ فَعْلتُهُ بمدينةِ السّلامِ
فأفتَضِحَ بينَ الأنامِ وتحْبَطَ مكانَتي عندَ الإمامِ وأصيرَ ضُحْكَةً بين الخاصّ والعامّ فعاهَدني على أن لا أفوهَ بما اعتَمَدَ ما دُمْتُ حِلاًّ بهذا البلَدِ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فعاهدْتُهُ مُعاهدَةَ منْ لا يتأوّلُ ووَفَيْتُ لهُ كما وَفى السّمَوْألُ