حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالتكلم: عاشَرتُصاحبت بقطيعَةِ الرّبيعِ في إبّانِوقت الرّبيعِ فِتيةً وجوهُهُمْ أبلَجُأحسن لونا من أنوارِهِأزهاره وأخلاقُهُمْ أبهَجُأحسن لونا من أزهارِهِ وألفاظُهُمْ أرقُّ من نسيمِ أسحارِهِريحه اللينة فاجتَلَيتُ منهُمْ ما يُزْرييحقر / يضعف على الرّبيعِ الزّاهِرِ ويُغْني عن رنّاتِ المَزاهِرِ وكنّا تقاسَمْنا على حِفْظِ الوِدادِ وحَظْرِ الاستِبْدادِ وأن لا يتفرّدَ أحدُنا بالتِذاذٍ ولا يستأثِرَ ولو برَذاذٍ فأجْمَعْنا في يومٍ سَماعلا دَجْنُهُ ونَما حُسنُه وحكَمَ بالاصْطِباحِ مُزْنُهُ على أنْ نلتَهي بالخُروجِ الى بعضِ المُروجِ لنُسرِّحَ النّواظِرَ في الرّياضِالبساتين النّواضِرِالمشرقة ونصْقُلَ الخواطِرَ بشَيْمِ المَواطِرِ فبرَزْنا ونحنُ كالشّهورِ عِدّةً وكنَدْمانَيْ جَذيمَةَاسم ملك مودّةً الى حَديقَةٍ أخذَتْ زُخرُفَها وازّيّنَتْ وتنوّعتْ أزاهيرُها وتلوّنَتْ ومعَنا الكُمَيتُلون الخيل الشَّموسُالمشرقة والسُقاةُ الشُّموسُ والشّادي الذي يُطرِبُ السّامِعَ ويُلهِيهِ ويَقْري كلَّ سمْعٍ ما يشتَهيهِ
فلمّا اطمأنّ بِنا الجُلوسُ ودارَتْ عليْنا الكؤوسُ وغَلَ علَيْنا ذِمْرٌجماعة عليهِ طِمْرٌثوب رث فتجَهّمْناهُ تجهُّمَ الغيدِالمرأة الحسناء الشِّيبَالشيوخ ووجَدْنا صفْوَ يومِنا قد شِيبَ إلا أنهُ سلّمَ تسليمَ أولي الفَهْمِ وجلسَ يَفُضّيشرح أو يبين لَطائِمَأوعية الطيب النّثْر والنّظْمِ ونحنُ ننْزَوينبتعد أو نختبئ منِ انبِساطِهِ وننْبَريْ لطَيِّ بِساطِهِ الى أنْ غنّى شادِينا المُغْرِبُحسن الغناء
ومُغرِّدُنا المُطْرِبُالآتي بالطرب:
إلامَإلى متى / لماذا سُعادُ لا تَصلِينَ حَبْلي
ولا تأوينَتشفقين لي ممّا أُلاقي
صبَرْتُ عليكِ حتى عيلَنفد أو استنفد صبْريتحملي
وكادَتْ تبلُغُ الرّوحُ التّراقيعظام الترقوة
وها أنا قدْ عزَمْتُ على انتِصافٍ
أُساقي فيهِ خِلّيصاحبي ما يُساقي
فإنْ وَصْلاً ألذُّ بهِ فوَصْلٌ
وإنْ صَرْماً فصرْمٌ كالطّلاقِ
قال: فاسَفْهَمْنا العابثَ بالمَثاني لِمَ نصَبَجعله منصوباً الوصْلَ الأوّلَ ورفَعَ الثّاني؟ فأقْسَمَ بتُربَةِ أبَوَيْه لقدْ نطَقَ بما اختارَهُ سيبوَيه فتشَعّبَتْ حينئذٍ آراءُ الجمْع في تجويزِ النّصبِ والرّفعِ
فقالتْ فِرقَةٌ: رفْعُهُما هوَ الصّوابُ
وقالتْ طائِفةٌ: لا يجوزُ فيهِما إلا الانتِصابُ واستَبْهَمَ على آخرينَ الجوابُ واستعَرَ بينَهُمُ الاصطِخابُاختلاط الأصوات وذلِكَ الواغِلُالداخل في الشراب يُبْدي ابتِسامَ ذي معرِفةٍ وإنْ لمْ يفُهْيتكلم ببِنْتِ شفَةٍ
حتى إذا سكنَتِ الزّماجِرُالضوضاء وصمتَ المزْجورُالمنهي والزّاجِرُ
قال: يا قومُ أنا أُنَبّئُكُمْ بتأويلِهِ وأميّزُ صَحيحَ القوْلِ منْ عَليلِهِ إنهُ لَيَجوزُ رفْعُجعله مرفوعاً الوصْلَينِ ونصْبُهُما والمُغايَرَةُ في الإعرابِالنطق الصحيح بينَهُما وذلِكَ بحسَبِ اختِلافِ الإضْمارِ وتقْديرِ المحْذوفِ في هَذا المِضْمارِ
قال: ففَرَطَ منَ الجَماعةِ إفْراطٌ في مُماراتِهِمجادلته وانخِراطٌ الى مُباراتِهِمنافسته
فقال: أما إذا دعوْتُمْ نَزالِانزلوا للحرب وتلبّبْتُمْ للنّضالِ فما كلِمَةٌ هيَ إنْ شِئْتُمْ حرْفٌناقة محْبوبٌ أوِ اسمٌ لِما فيهِ حرْفٌ حَلوبٌلها لبن؟ وأي اسمٍ يترَدّدُ بينَ فرْدٍ حازِمٍمشمر وجمْعٍ مُلازِمٍدائم؟ وأيّةُ هاءٍ إذا التحقَتْ أماطَتِأزالت الثِّقَلَ وأطلَقَتِ المُعتقَلَالمحبوس؟ وأينَ تدخُلُ السينُ فتعزِلُ العامِلَما يؤثر منْ غيرِ أن تُجامِلَتلقى بجميل؟ وما منْصوبٌ أبَداً على الظّرْفِما يدل على ظرف لا يخْفِضُهُ سوى حرْفٌ؟ وأيّ مُضافٍ أخَلّنقص منْ عُرَىروابط الإضافَةِ بعُرْوَةٍ واختلَفَ حُكمُهُ بينَ مساءٍ وغُدوَةٍ؟ وما العامِلُ الذي يتّصلُ آخِرُهُ بأوّلِهِ ويعمَلُ معكوسُهُمقلوبه مثلَ عمَلِه؟ وأيّ عمَلٍ نائِبُهُالقائم مقامه أرْحَبُأوسع منهُ وَكْراًموضعًا وأعظَمُ مَكْراً وأكثَرُ للهِ تَعالى ذِكْراً؟ وفي أيّ موطِنٍ تلبَسُ الذُّكْرانُالذكور براقِعَأغطية الوجه النّسوانِ وتبرُزُ ربّاتُ الحِجالِنساء البيوت بعَمائِمِ الرّجالِ؟ وأينَ يجِبُ حِفظُ المَراتِبِ على المضْروبِ والضّارِبِ؟ وما اسمٌ لا يُعرَفُ إلا باستِضافَةِبإضافة كلِمتَينِ أوِ الاقتِصارِ منه على حرْفَينِ وفي وَضْعِهِ الأوّلِ التِزامٌ وفي الثّاني إلْزامٌ؟ وما وصْفٌ إذا أُردِفَتُبع بالنّونِ نقَصَ صاحِبُهُ في العُيونِ وقُوّمَ بالدّونِ وخرَجَ منَ الزَّبونِ وتعرّضَ للهُونِ؟ فهَذِهِ ثِنْتا عشْرَةَ مسألةً وفْقَ عدَدِكُمْ وزِنَةَ لَدَدِكُمْ ولو زِدْتُمْ زِدْنا وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا
قال المُخبرُ بهذِهِ الحِكايةِ: فورَدَ عليْنا من أحاجِيهِ اللاّتي هالَتْ لمّا انْهالَتْ ما حارَتْتحيرت لهُ الأفكارُ وحالَتْ
فلمّا أعجزَنا العَوْمُالسباحة في بحرِهِ واستسْلَمَتْ تَمائِمُنامعاذاتنا لسِحْرِهِ عدَلْناانحرفنا منِ استِثْقالِ الرّؤيَةِ لهُ الى استِنْزالِطلبه بتلطف الرّوايَةِ عنهُ ومِنْ بَغْيِظلم التّبرّمِالاستثقال بهِ الى ابتِغاءطلب التعلّمِ منهُ
فقال: والذي نزّلَ النّحْوَ في الكَلامِ منزِلَةَ المِلْحِ في الطّعامِ وحجَبَهُ عن بصائِرِ الطّغامِالعامة لا أنَلْتُكُمْأعطيتكم مَراماًمرادا ولا شفيْتُ لكُمْ غَراماً أو تُخوّلَنيتملّكني كلُّ يدٍ ويخْتَصّني كلٌ منكُم بيَدٍنعمة فلمْ يبْقَ في الجماعةِ إلا منْ أذْعَنَانقاد لحُكمِهِ ونبَذَ إلَيْهِ خُبْأةَالمخبوء كُمّهِ
فلمّا حصلَتْ تحتَ وِكائِهِ أضرَمَ شُعلَةَ ذكائِهِ فكشَفَ حينئذٍ عن أسْرارِ ألْغازِهِ وبدائِعِ إعْجازِهِما عجز به ما جَلاكشف بهِ صدأوسخ الأذْهانِ وجلّى مطْلَعَهُ بنورِ البُرْهانِالحجّة
قال الرّاوي: فهِمْنا حينَ فهِمْنا وعجِبْنا
إذْ أُجِبْنا وندِمْنا على ما ندّفاتنا مِنّا وأخذْنا نعتَذِرُ إليهِ اعتِذارَ الأكْياسِالحذّاق ونعْرِضُ عليهِ ارتِضاعَشرب الكاسِ
فقالَ: مأرَبٌحاجة لا حَفاوةٌتهمّم ومشْرَبٌ لمْ يبْقَ لهُ عندي حَلاوَةٌ فأطَلْنا مُراودَتَهُ ووالَيْنا مُعاوَدَتَهُ فشمخَ بأنفِهِ صَلَفاًتجبرا ونأى بجانِبِه أنَفاًتنزها
وأنشدَ:
نَهاني الشيْبُ عمّا فيهِ أفْراحي
فكيفَ أجمَعُ بين الرّاحِالخمر والرّاحِ
وهل يجوزُ اصطِباحيشربي صباحا من مُعتّقةٍقديمة
وقد أنارَأضاء مشيبُ الرّأسِالجزء العلوي إصْباحيصباحي
آلَيتُحلفت لا خامرَتنيخالطتني الخمرُ ما علِقَتْ
روحي بجِسْمي وألفاظي بإفْصاحي
ولا اكتسَتْ لي بكاساتِ السُلافِالخمر يدٌ
ولا أجَلتُأدرت قِداحيكؤوسي بين أقْداحِكؤوس
ولا صرَفْتُرددت الى صِرْفٍخمر مُشَعشَعةٍلامعة
همّي ولا رُحتُمشيت بالعشيّ مُرْتاحاًمهتزّا من الطرب الى راحِشراب
ولا نظَمْتُجمعت على مشمولَةٍقدح خمر أبداً
شمليرفقتي ولا اخترْتُ نَدماناً سوى الصّاحياليقظان
مَحاأزال المشيبُالشيب مِراحيأفراحي حينَ خطّكتب على
رأسي فأبغِضْ به من كاتِبٍ ماحِ
ولاحَ يلْحَىيعاتب على جرّي العِنانَلجام الفرس الى
ملْهًىمكان لهو فسُحْقاً لهُ من لائِحٍظاهر لاحِظهر
ولوْ لهَوْتُلعبت وفَوْدِيضيوفي شائِبٌأشيب لخَباانطفأ
بينَ المصابيحِ من غسّانَ مِصْباحي
قومٌ سَجاياهُمُطبائعهم توْقيرُاحترام ضَيْفِهِمِ
والشّيبُ ضيفٌ له التّوْقيرُ يا صاحِ
ثمّ إنّه انْسابَجرى انسيابَ الأيْمِالمتفرد وأجْفلَ إجْفالَ الغيْمِ
فعلِمْتُ أنهُ سِراجُ سَروجَمنارة وبدْرُ الأدبِ الذي يجْتابُيخترق البُروجَالنجوم وكان قُصاراناغايتنا التّحرُّقَالشوق لبُعدِهِ والتّفرُّقَ منْ بعدِهِإثره
أما صدر البيت الأخير من الأغنية الذي هو (فإن وصلاً الذُّ به فوصل) فإنه نظير قولهم المرء مجزيّ بعمله أن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌ وهذه المسئلة أودعها سيبويه كتابه وجوز في إعرابها أربعة أوجه أحدها وهو إجودها أن تنصب خبراً الأول وترفع الثاني وتنصب شراً الأول وترفع الثاني ويكون تقديره إن كان عمله خيراً فجزاؤه خير وإن كان عمله شراً فجزاؤه شر فتنصب الأول على أنه خبر كان وترفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف وقد حذفت في هذا الوجه كان واسمها لدلالة حرف الشرط الذي هو أن على تقديرهما وحذفت أيضاً المبتدأ لدلالة الفاء التي هي جواب الشرط عليه لأنه كثيراً ما يقع بعدها والوجه الثاني أن تنصبهما جميعاً ويكون تقدير الكلام إن كان عمله خيراً فهو يجزي خيراً وإن كان عمله شراً فهو يجزي شتراً فينتصب الأول على أنه خبر كان وينتصب الثاني انتصاب المفعول به والوجه الثالث أن ترفعهما جميعاً ويكون تقدير الكلام إن كان في عمله خير فجزاؤه خير فيرتفع خبر الأول على أنه فاعل كان وتجعل كان المقدرة ههنا هي التامةالكاملة التي تأتي بمعنى حدثوقع ووقع فلا تحتاج إلى خبر كقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ويكون التقدير في المسئلة إن كان خير ف جزاؤه خير أي يإن حدث خير فجزاؤه خير والوجه الرابع وهو أضعفها أن ترفع الأول على ما تقدم شرحه في الوجه الثالث وتنصب الثاني على ما بين ذكره في الوجه الثاني ويكون التقدير أن كان في عمله خير فهو يجزي خيراً وعلى حسب هذا التقدير والمقدرات المحذوفات فيه يجري إعرابنحو البيت الذي غنى به
ومما ينتظم في هذا السلكالطريق قولهم المرء مقتول بما قتلب به إن سيفاً فسيفٌ وإن خنجراً فخنجر (وإما الكلمةلفظ التي هي حرف محبوب أو اسم لما فيه حرف حلوب: فهي نعم إن أردت بها تصديق الأخبار أو العدةالإجابة عند السؤال فهي حرف، وإن عنيت بها الإبل فهي اسم، والنعم تذكر وتؤنث وتطلق على الإبل وعلى كل ماشية فيها إبل، وفي الإبل الحرفناقة ضامرة وهي النّاقة الضامة، سميت حرفاً تشبيهاً لها بحرف السيف، وقيل إنه الضخمة تشبيهاً لها بحرف الجبل
وأما الاسم المردد بين فرد حازم وجمع ملازم: فهي سراويلبناطيل،
قال بعضهم: هو واحد وجمعه سراويلات، فعلى هذا القول هو فرد وكنى عن ضمهشدّ الخصر بأنه حازم
وقال آخرون: بل هو جمع واحده سروال مثل شملال وشماليل وسربال وسرابيل، فهو على هذا القول جمع ومعنى قوله ملازم أي لا ينصرفيتغير، وإنّم لم ينصرف هذا النوع من الجمع وهو كل جمع ثالثه ألفمحبوب وبعدها حرف مشدد أو حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن لثقله وتفرده دون غيره من الجموع بأن لا نظير له في الأسماء الآحادأفراد وقد كنىأشار في هذه الأحجيةلغز عما لا ينصرف بالملازم كما كنى في التي قبلها عما ينصرف باللازم
وأما الهاءحرف الهاء التي إذا التحقت أماطت الثقل وأطلقت المعتقل: هي الهاء اللاحقة بالجمع المقدم ذكره كقولك: صيارفة وصياقلة، فينصرف هذا الجمع عند التحاق الهاء بها لأنها قد أصارته الى أمثال الآحاد نحو رفاهية وكراهية، فخف بهذا السبب وصرف لهذه العلة وقد كنى في هذه الأحجية عما لا ينصرف بالمعتقل كما كنى في التي قبلها عما لا ينصرف بالملازم
وأما السين التي تعزل العامل من غير أن تجامل: فهي التي تدخل على الفعل المستقبلالفعل الآتي وتفصل بينه وبين أن التي كانت قبل دخولها من أدوات النصب فيرتفع حينئذ الفعل وتنتقل أن عن كونها الناصبة للفعل الى أن تصير المخففةالمقللة من الثقيلة،
وذلك كقوله تعالى: علم أن سيكون منكم مرضى،
وتقديره: علم أنه سيكون
وأما المنصوبما نُصِبَ على الظرف الذي لا يخفضه سوى حرف: فهو عند إذ لا يجره غير من خاصة، وقول العامة ذهبت الى عنده لحنخطأ بالإعراب
وأما المضافما أضيف الذي أخل من عرى الإضافة بعروة واختلف حكمه بين مساء وغدوة: فهو لدنقريب من، ولدن من الأسماء الملازمةالقرب للإضافة وكل ما يأتي بعدها مجرور به إلا غدوة فإن العرب نصبتها بلدن لكثرة استعمالهم إياها في الكلام ثم نوّنتها أيضاً ليتبين بذلك أنها منصوبة لا أنها من نوع المجروراتالكلمات المجرورة التي لا تنصرفتُصرّف وعند بعض النحويين أن لدن بمعنى عند، والصحيح أن بينهما فرقاً لطيفاً وهو أن عند يشتمل معناها على ما هو في ملكك ومكنتك مما دنا منك وبعد عنك، ولدن يختص معناها بما حضرك وقرب منك
وأما العامل الذي يتصل آخره بأوله ويعمل معكوسه مثل عمله: فهو يا، ومعكوسه أي، وكلتاهما من حروف النداءالدعاء وعملهم في الاسم المنادىالمُخاطب سيان وإن كانت يا أجولأكثر تداولاً في الكلام وأكثر في الاستعمال، وقد اختار بعضهم أن ينادى بأي القريب فقط كالهمزة
وأما العامل الذي نائبه أرحب منه وكراً وأعظم مكراً وأكثر لله تعالى ذكراً: فهو باء القسم،
وهذه الباءحرف القسم هي أصل حروف القسم بدلالة استعمالها مع ظهور فعل القسم في قولك: أقسم بالله،
ولدخولها أيضاً على المضمرالضمير كقولك: بك لأفعلن، وإنما أبدلتاستُبدلت الواو منها في القسم لأنهما جميعاً من حروف الشفةالعضو للكلام ثم لتقارب معنييهم لأن الواو تفيد الجمع والباء تفيد الإلصاقالالتصاق وكلاهما متفق والمعنيان متقاربان، ثم صارت الواو المبدلة من الباء أدورأكثر شيوعاً في الكلام وأعلق بالأقسام ولهذا ألغز بأنه أكثر لله تعالى ذكراً
ثم إن الواو أكثر موطناً من الباء لأن الباء لا تدخل إلا على الاسم ولا تعمل غير الجر، والواو تدخل على الاسم والفعل والحرف وتجر تارة بالقسم وتارة بإضمار رب وتنتظم أيضاً مع نواصب الفعل وأدوات العطف فلهذا وصفها برحب الوكر وعظم المكر
وأما الموطن الذي يلبس فيه الذكران براقع النسوان وتبرز فيه ربات الحجال بعمائم الرجال: فهو أول مراتب العدد المضاف وذلك ما بين الثلاثة الى العشرة فإنه يكون مع المذكر بالهاء ومع المؤنث بحذفها،
كقوله تعالى: سخره عليهم سبع ليال وثمانية أيام،
والهاء في هذا الموطن من خصائص المؤنث كقولك: قائم وقائمة وعالم وعالمة، فقد رأيت كيف انعكس في هذا الموطن حكم المذكر والمؤنث حتى انقلب كل منهما في ضد قالبه وبرز في بزةملبس صاحبه
وأما الموضع الذي يجب فيه حفظ المراتب على المضروب والضارب: فهو حيث يشتبه الفاعل بالمفعول لتعذر ظهور علامة الإعراب فيهما أو في أحدهما، وذلك إذا كانا مقصورينتنتهي بألف مقصورة مثل موسى وعيسى، أو من أسماء الإشرة نحو ذاك وهذا، فيجب حينئذ لإزالة اللبسالغموض إقرار كل منهما في رتبته ليعرف الفاعل منهما بتقدمه والمفعول بتأخره
وأما الاسم الذي لا يفهم إلا باستضافة كلمتين أو الاقتصار منه على حرفين: فهو مهما،
وفيها قولان: أحدهما أنها مركبة من مه التي هي بمعنى اكفف ومن ما، والقول الثاني، وهو الصّحيح، إن الأصل فيها م فزيدت عليها ما أخرى كما تزاد على أن، فصار لفظها ما ما فثقل عليهم توالي كلمتين بلفظ واحد فأبدلوا من ألف ما الأولى هاء فصارتا مهما
ومهما من أدوات الشرط والجزاء ومتى لفظت بها لم يتم الكلام ولا عقل المعنىالدلالة إلا بإيراد كلمتين بعدها كقولك: مهما تفعل افعل، وتكون حينئذ ملتزماً للفعل وإن اقتصرت منها على حرفين وهما مه التي بمعنى اكفف فهم المعنى وكنت ملزماً من خاطبته أن يكف
وأما الوصف الذي إذا أردف بالنون نقص صاحبه في العيون وقوم بالدون وخرج من الزبون وتعرض للهون: فهو ضيف إذا لحقته النون استحال الى ضيفنالزيف، وهو الذي يتبع الضيف، وينزل في النقد منزلة الزيف