← المقامات
المقامة الحادية عشرة

المقامة الساوية

١٠ دقائق

حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: آنَسْتُ منْ قلْبي القَساوَةَ حينَ حللْتُ ساوَةَ فأخذْتُ بالخبَرِ المأثورِ في مُداواتِها بزِيارَةِ القُبورِ

فلمّا صِرْتُ الى محلّةِ الأمْواتِ وكِفاتِ الرُفاتِ

رأيتُ جمْعاً على قبْرٍ يُحْفَرُ ومجْنوزٍ يُقبَرُ فانْحَزْتُ إليْهِمْ متفكّراً في المآلِعاقبة متذكّراً مَنْ درجَمات منَ الآلِ

فلما ألحَدوادفنوا المَيْتَ وفاتَ قوْلُ لَيْتَ أشرفَ شيخٌ من رُباوَةٍمكان مرتفع متخصّراً بهِراوَةٍ وقدْ لفّعَغطّى وجهَه برِدائِهِ ونكّر شخْصَهُ لدَهائِهِ

فقال: لمِثْلِ هذا فلْيَعْمَلِ العامِلونَ فادّكِروا أيّها الغافِلونَ وشمِّروا أيّها المقَصّرونَ وأحْسِنوا النّظَرَ أيه المتبصّرونَ! ما لكُمْ لا يَحْزُنُكمْ دفْنُ الأتْرابِالأقران ولا يهولُكُمْيفزعكم هيْلُ التّرابِ؟ ولا تعْبأونَ بنَوازِلِ الأحْداثِالحوادث ولا تستَعِدّونَ لنُزولِ الأجْداثِالقبور؟ ولا تستعْبِرونَتبكون لعَينٍ تدْمَعُ ولا تعتَبرونَتتّعظون بنَعْيٍ يُسمَعُ؟ ولا ترْتاعونَتفزعون لإلْفٍ يُفقَدُ ولا تلْتاعونَتتألمون لمناحَةٍ تُعْقَدُتجمع وتؤلّف؟ يشيِّعُ أحدُكُمْ نعْشَ الميْتِ وقلْبُهُ تِلْقاءَمستقبل البيتِ ويشهَدُ مُواراةَدفن نسيبِه وفِكْرُهُ في استِخْلاصِتحصيل نصيبِه ويُخَلّي بينَ وَدودِهمحبوبه ودُودِه

ثمّ يخْلو بمِزْمارِهِ وعودِهِأغانيه طالَما أسِيتُمْحزنتم على انْثِلامِكسر أو شق الحَبّةِ وتناسَيتُمُ اخْتِرامَموت مبكر الأحبّةِ واستَكَنْتُمْ لاعتِراضِ العُسرةِ واستَهَنْتُمْ بانقِراضِ الأُسرَةِ وضحِكْتُمْ عندَ الدّفْنِ ولا ضحِكَكُمْ ساعةَ الزَّفْنِرقص أو لهو وتبخْتَرْتُمْ خلفَ الجنائِزِ ولا تبخْتُرَكُمْ يومَ قبْضِ الجوائِزِ وأعْرَضْتُمْ عنْ تعْديدِ النّوادِبِالنوائح، الباكيات الى إعْدادِاستعداد المآدِبِالمطاعم وعنْ تحرُّقِتوجع الثّواكِلِالفاقدات الى التّأنُّقِالتحسين في المآكِلِ لا تُبالونَ بمَنْ هوَ بالٍفكر ولا تُخْطِرونَ ذِكرَ الموتِ ببالٍ

حتى كأنّكُمْ قد علِقتُمْ منَ الحِمامِالموت بذِمامٍ أو حصَلْتُمْ منَ الزّمانِ

على أمانٍ أو وثِقْتُمْ بسلامةِ الذّاتِ أو تحقّقْتُمْ مُسالَمَةمتاركة هادِمِ اللّذّاتِ كَلاّردع ساء ما تتوهّمونَ

ثمّ كلاّ سوفَ تعلَمونَ! ثمّ أنشدَ:

أيا مَن يدّعي الفَهْمْ

الى كمْ يا أخا الوَهْمْالغلط

تُعبّي الذّنْبَ والذمّ

وتُخْطي الخَطأ الجَمّالكثير

أمَا بانَ لكَ العيْبْ

أمَا أنْذرَكَ الشّيبْالكبر

وما في نُصحِهِ ريْبْشك

ولا سمْعُكَ قدْ صمّأصمّ

أمَا نادَى بكَ الموتْ

أمَا أسْمَعَك الصّوْتْالنّياحة

أما تخشَى من الفَوْتْفوات

فتَحْتاطَ وتهتمْ

فكمْ تسدَرُتضل في السهْوْ

وتختالُ من الزهْوْالكبر

وتنْصَبُّ الى اللهوْ

كأنّ الموتَ ما عَمّشمل

وحَتّام تَجافيكْالتباعد عن الخير

وإبْطاءُ تلافيكْالتدارك

طِباعاًالأخلاق جمْعتْ فيكْ

عُيوباً شمْلُها انْضَمّ

إذا أسخَطْتَ موْلاكْ

فَما تقْلَقُ منْ ذاكْ

وإنْ أخفَقَالخيبة مسعاكْالسعي

تلظّيتَالاشتعال منَ الهمّ

وإنْ لاحَ لكَ النّقشْ

منَ الأصفَرِالمال تهتَشّالاهتزاز طرباً

وإن مرّ بك النّعشْ

تغامَمْتَإظهار الحزن ولا غمّ

تُعاصي النّاصِحَ البَرّ

وتعْتاصُ وتَزْوَرّ

وتنْقادُ لمَنْ غَرّخدع

ومنْ مانَكذب ومنْ نَمّمشى بالنميمة

وتسعى في هَوى النّفسْ

وتحْتالُ على الفَلْسْ

وتنسَى ظُلمةَ الرّمسْالقبر

ولا تَذكُرُ ما ثَمّ

ولوْ لاحظَكَنظرك الحظّ

لما طاحَ بكَ اللّحْظْطرف العين

ولا كُنتَ إذا الوَعظْ

جَلاكشف الأحزانَ تغْتَمّ

ستُذْري الدّمَ لا الدّمْعْ

إذا عايَنْتَ لا جمْعْقبيل أو عشير

يَقييمنع في عَرصَةِ الجمعْ

ولا خالَ ولا عمّ

كأني بكَ تنحطّتنزل

الى اللحْدِالقبر وتنْغطّ

وقد أسلمَكتركك الرّهطْ

الى أضيَقَ منْ سمّعين الإبرة

هُناك الجسمُ ممدودْ

ليستأكِلَهُ الدّودْ

الى أن ينخَرَيبلى العودْتابوت الميت

ويُمسي العظمُ قد رمّبلي

ومنْ بعْدُ فلا بُدّ

منَ العرْضِ إذا اعتُدّاستعد

صِراطٌ جَسْرُهُ مُدّ

على النارِ لمَنْ أمّقصد

فكمْ من مُرشدٍهاد ضلّتحيّر

ومنْ ذي عِزةٍ ذَلّ

وكم من عالِمٍ زلّ

وقال الخطْبُالأمر الشديد قد طمّعظم

فبادِرْ أيّها الغُمْرْالجاهل بالأمور

لِما يحْلويصلح بهِ المُرّ

فقد كادَ يهييضعف العُمرْ

وما أقلعْتَرجعت عن ذمّ

ولا ترْكَنْتلجأ الى الدهرْ

وإنْ لانَ وإن سرّ

فتُلْفى كمنْ اغتَرّانخدع

بأفعى تنفُثُتبصق السمّ

وخفّضْ منْ تراقيكْتكبرك

فإنّ الموتَ لاقِيكْ

وسارٍ في تراقيكْ

وما ينكُلُينقطع إنْ همّأراد

وجانِبْ صعَرَ الخدّ

إذا ساعدَكَ الجدّ

وزُمّ اللفْظَ إنْ ندّ

فَما أسعَدَ مَنْ زمّ

ونفِّسْ عن أخي البثّصاحب الحزن

وصدّقْهُ إذا نثّنطق وكشف

ورُمّ العمَلَ الرثّالخلق

فقد أفلحَ مَنْ رمّأصلح

ورِشْ مَن ريشُهُ انحصّ

بما عمّ وما خصّ

ولا تأسَ على النّقصْ

ولا تحرِصْ على اللَّمّ

وعادِ الخُلُقَ الرّذْلْ

وعوّدْ كفّكَ البذْلْ

ولا تستمِعِ العذلْ

ونزّهْها عنِ الضمّ

وزوّدْ نفسَكَ الخيرْ

ودعْ ما يُعقِبُ الضّيرْ

وهيّئ مركبَ السّيرْ

وخَفْ منْ لُجّةِ اليمّالبحر

بِذا أُوصيتُ يا صاحْصاحب

وقد بُحتُنطقت كمَن باحْ

فطوبى لفتًى راحْ

بآدابيَ يأتَمّيقتدى

ثمّ حسرَ رُدنَهُ عن ساعِدٍ شديدِ الأسْرِقوة قد شدّ علَيهِ جبائِرَ المكْرِ لا الكسْرِ متعرّضاً للاستِماحةِ في مِعرَضِ الوقاحَةِقلة الحياء فاختلَبَ بهِ أولئِكَ المَلا

حتى أتْرَعَ كُمّهُ ومَلا

ثمّ انحدَرَ من الرّبوةِمرتفع من الأرض جذِلاًمسرورا بالحَبوةِ

قال الراوي: فجاذَبْتُه منْ وَرائِهِ حاشيَةَ رِدائِهِ فالتَفَتَ إليّ مُستسلِماً وواجهَني مُسلِّماً

فإذا هوَ شيخُنا أبو زيدٍ بعينِه ومَينِهِ

فقلتُ له:

الى كمْ يا أبا زيدْ

أفانينُكَأنواعك في الكيدْ

ليَنحاشَ لكَ الصيدْ

ولا تعْبا بمَنْ ذمّ

فأجابَ من غيرِ استِحْياء ولا ارْتِياءارتباك

وقال:

تبصّرْ ودعِ اللوْمْ

وقُلْ لي هل تَرى اليومْ

فتًى لا يقمُرُيغلب القومْ

متى ما دَستُهُأدخلته تمّ

فقلتُ لهُ: بُعداً لك يا شيخَ النّارِ وزامِلَةَ العارِ! فَما مَثلُكَ في طُلاوَةِصفاء علانِيَتِك وخُبثِ نيّتِك إلا مثَلُ رَوْثٍ مفضَّضٍمغشى بالفضة أو كَنيفٍ مبيَّضٍمكسو بالجير

ثمّ تفرّقْنا فانطلَقْتُ ذاتَجهة وناحية اليَمين وانطلقَ ذات الشِّمالِ وناوَحْتُ مهَبّناحية هبوبها الجَنوبِ وناوحَ مهبّ الشَّمالِ