← المقامات
المقامة العاشرة

المقامة الرحبية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍشجاع قال: هتَفَدعا بي داعي الشّوْقِ الى رَحبَةِ مالِكِ بن طَوْقٍ فلبّيتُهُ مُمتَطِياًراكباً شِمِلّةًرداء ومُنتَضياً عَزْمَةًسيف مُشمَعِلّةًسريعة

فلمّا ألقيتُ به المَراشي وشدَدْتُ أمراسيحبال وبرَزْتُ منَ الحَمّام بعدَ سبتِقصصت راسي رأيتُ غُلاماً أُفرِغَصيغ في قالَبِ الجَمالِ وأُلبِسَ من الحُسنِ حُلّةَ الكَمال وقدِ اعْتَلَقَ شيخٌ برُدْنِهِ يدّعي أنّهُ فتَك بابنِه والغُلامُ يُنكِرُ عِرفَتَهُ ويُكْبِرُ قِرفَتهُ والخِصامُ بينَهُما مُتطايِرُ الشَّرارِ والزِّحامُ عليهِما يجمَعُ بين الأخيارِ والأشرارِ الى أنحان تَراضَيا بعْد اشتِطاطِ اللّدَد بالتّنافُرِ الى والي البلَدِ وكان ممّن يُزَنّ بالهَناتِ ويغلِّبُ حُبَّعشق البَنين على البَناتِ فأسْرَعا الى ندْوَتِهمجلسه كالسُّلَيْكِ في عَدْوَتِه

فلمّا حضَراه جدّدَ الشيخُ دعْواهُ واستَدْعى عدْواهُ فاستَنطَقَ الغُلامَ وقدْ فتَنَهُ بمحاسِنِ غُرّتِهناصيته وطَرَّ عقلَهُ بتصْفيفِ طُرّتِهِناصية

فقالَ: إنّه أفيكَةُبهتان أفّاكٍ علِ غيرِ سفّاكٍ! وعَضيهَةُ مُحْتالٍ على منْ ليس بمُغْتالٍ

فقال الوالي للشّيخ: إنْ شهِدَأقر لكَ عدْلانِ منَ المُسلِمين وإلا فاسْتَوْفِ منهُ اليَمينَ

فقال الشيخُ: إنّهُ جدّلَهُقتله خسياً وأفاحَ دمَهُ خالِياً فأنّى لي شاهِدٌ ولم يكُنْ ثَمّ مُشاهِدٌ؟ ولكِنْ ولّني تلْقينَهُ اليَمينَ ليَبينَ لكَ أيصْدُقُ أم يَمينُ؟

فقال لهُ: أنتَ المالِك لذلك معَ وجْدِكَ المُتَهالِك على ابنِكِ الهالِك

فقال الشيخُ للغُلام: قُلْ والذي زيّن الجِباهَ بالطُّرَرِ والعُيونَ بالحَوَرِ والحَواجِبَ بالبَلَجِ والمباسمَ بالفلَجِ والجُفونَ بالسّقَمِ والأنوفَ بالشّمَمِ

والخُدودَ باللهَبِ والثّغورَ بالشّنَبِ والبَنانَ بالتّرَفِ والخُصورَ بالهيَفِ إنّني ما قتَلْتُ ابْنَكَ سهْواً ولا عمْداً ولا جعلْتُ هامَتَهُرأسه لسَيْفي غِمْداًغلاف السيف وإلا فرَمى اللهُ جَفْني بالعمَشِ وخدّي بالنّمَشِ وطُرّتي بالجلَحِ وطَلْعي بالبَلَحِ ووَرْدَتي بالبَهارِ ومِسْكَتي بالبُخارِ وبَدْري بالمُحاقِ وفِضّتي بالاحْتِراقِ وشُعاعي بالإظْلامِ ودَواتي بالأقْلامِ

فقالَ الغُلامُ: الاصْطِلاءَالاتصال بالبَليّةِ ولا الإيلاءَالحلف بهذِه الألِيّةِاليمين والانقِيادَ للقَوَدِ ولا الحَلِفَ بما لمْ يحلِفْ بهِ أحدٌ وأبى الشيخُ إلا تجْريعَهُ اليَمينَ التي اخترَعَها وأمْقَرَ لهُ جُرَعَها ولم يزَلِ التّلاحيالسباب والتشاتم بينَهُما يستَعِرُيلتهب ومَحجّةُ التّراضي تعِرُتصعب والغُلامُ في ضِمْنِ تأبّيهِامتناعه يخْلُبُيخدع قلْبَ الوالي بتلوّيهِ ويُطْمِعُهُ في أنْ يلبّيهِيجيبه لمراده الى أن رانَغلب هَواهُ على قلْبِهِ وألَبّ بلُبّهِ فسوّلَ لهُ الوجدُحرقه القلب الذي تيّمَهُافتنه والطّمَعُ الذي توَهّمَهُتخيّله أنْ يُخلّصَ الغُلامَ ويستخلِصَهُ وأن يُنقِذَهُ من حِبالَةِفخ الشيخِ ثمّ يقتَنِصَهُيصيده

فقال للشيخِ: هلْ لكَ فيما هوَ ألْيَقُأنسب بالأقْوى وأقرَبُ للتّقْوى؟

فقالَ: إلمَ تُشيرُ لأقْتَفيهِ ولا أقِفُ لكَ فيهِ

فقال: أرى أنْ تُقصِرَ عنِ القِيلِ والقالِثرثرة وتقتَصِرَ منهُ على مئَةِ مِثْقالٍوزن لأتحمّلَ منْها بعْضاً وأجْتَبي الباقيَ لكَ عُرْضاًمؤقتاً

فقالَ الشيخُ: ما مِني خِلافٌ فلا يكُنْ لوعدِكَ إخْلافٌنقض الوعد فنقَدَهُ الوالي عِشرينَ ووزّعَ على وزَعَتِهحراسه تكْمِلَةَ خمْسينَ ورقّ ثوْبُ الأصيلِآخر النهار وانقطَعَ لأجْلِهِ صوْبُجهة التّحصيلِجمع المال

فقالَ: خُذْ ما راجَمتوفر ودَعْ عنْكَ اللّجاجَالعناد وعليّ في غدٍ أنْ أتوصّلَأحصل الى أن ينِضّيجهز لكَ الباقي ويتحصّلَ

فقال الشيخُ: أقْبَلُ منْكَ على أنْ ألازمَهُألتزم ليْلَتي ويرْعاهُ إنْسانُ مُقلَتيعيني

حتى إذا أعْفىأوفى بعْدَ إسْفارِ الصّبحِ بِما بَقيَ منْ مالِ الصّلْحِ تخلّصَتْانفصلت قائِبَةٌقشرة البيضة من قُوبٍفرخ الطائر وبَرِئَ بَراءةَ الذّئْبِ منْ دمِ ابنِ يعْقوبَ

فقالَ لهُ الوالي: ما أُراكَ سفمْتَ شَططاًزيادة ولا رُمْتَأردت فرَطاًتقصيراً

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا رأيتُ حُجَجَ الشيخِ كالحُجَجِ السُرَيجيّةِ علِمتُ أنه علَمُ السَّروجيّةِ

فلبِثْتُ الى أن زهَرَتْلمعت نُجوم الظّلام وانتَثَرتْ عُقودُجماعات الزّحامِ

ثمّ قصَدْتُ فِناءساحة الوالي

فإذا الشيخُ للفتى كاليشبيه فنَشَدْتُه اللهَ أهُوَ أبو زيدٍ؟

فقال: أيْ ومُحِلّ الصّيدِ

فقُلتُ: مَنْ هذا الغُلامُ الذي هفَتْمالت لهُ الأحْلامُ؟

قال: هوَ في النسبِ فرْخينسلي وفي

المكتَسَبِ فخّي! قلت: فهَلاّ اكتفَيْتَ بمَحاسِنِ فِطرَتِهخليقته وكفَيتَ الواليَ الافتِتان بطُرّتِه؟

فقال: لوْ لمْ تُبرِزْ جبْهَتُهُ السّينَ لَما قنْفَشْتُبلغت الخمسينَ

ثمّ قال: بِتِ الليلَةَ عِندي لنُطْفئ نارَ الجَوىحرقة ونُديلَ الهَوىالعشق من النّوىفراق فقدْ أجْمَعْتُ على أنْ أنْسَلّاتسلل بسُحرَةٍقبيل الفجر

وأُصْليَ قلبَ الوالي نارَ حسْرَةٍندم! قال: فقَضَيتُ الليلةَ معَهُ في سمَرٍحديث بالليل آنَقَأحسن منْ حَديقَةِ زهَرٍ وخَميلةِ شجَرٍ

حتى إذا لألألمع وأضاء الأفُقَ ذنَبُ السِّرْحانِ وآنَ انبِلاجُظهور الضوء الفجْرِ وحانَ ركِبَ متْنَظهر الطّريقِ وأذاقَ الوالي عذابَألم الحريقِ وسلّمَ إليّ ساعَة الفِراقِ رُقعَةً مُحكمَةَ الإلْصاقِ

وقال: ادْفَعْها الى الوالي إذا سُلِبَ القَرار وتحقّقَ منّا الفِرارَ ففضَضْتُها فِعْلَ المتملّسِطالب السلامة منْ مِثلِ صحيفَةِ المتلمّسِطلب الحاجة سرا

فإذا فيها مكتوبٌ: مكتَسَبِ فخّي! قلت: فهَلاّ اكتفَيْتَ بمَحاسِنِ فِطرَتِه وكفَيتَ الواليَ الافتِتان بطُرّتِه؟

فقال: لوْ لمْ تُبرِزْ جبْهَتُهُ السّينَ لَما قنْفَشْتُ الخمسينَ

ثمّ قال: بِتِ الليلَةَ عِندي لنُطْفئ نارَ الجَوى ونُديلَ الهَوى من النّوى فقدْ أجْمَعْتُ على أنْ أنْسَلّ بسُحرَةٍ

وأُصْليَ قلبَ الوالي نارَ حسْرَةٍ! قال: فقَضَيتُ الليلةَ معَهُ في سمَرٍ آنَقَ منْ حَديقَةِ زهَرٍ وخَميلةِ شجَرٍ

حتى إذا لألأ الأفُقَ ذنَبُ السِّرْحانِ وآنَ انبِلاجُ الفجْرِ وحانَ ركِبَ متْنَ الطّريقِ وأذاقَ الوالي عذابَ الحريقِ وسلّمَ إليّ ساعَة الفِراقِ رُقعَةً مُحكمَةَ الإلْصاقِ

وقال: ادْفَعْها الى الوالي إذا سُلِبَ القَرار وتحقّقَ منّا الفِرارَ ففضَضْتُها فِعْلَ المتملّسِ منْ مِثلِ صحيفَةِ المتلمّسِ

فإذا

فيها مكتوبٌ:

قُلْ لوالٍ غادَرْتُه بعْدَ بيْني

سادِماًمتغيرا نادِماً يعَضّ اليَدَيْنِ

سلَبَ الشيخُ مالهُ وفتاهُ

لُبَّهُعقله فاصْطَلى لَظى حسْرَتَيْنِ

جادَ بالعينِ حينَ أعمى هواهُ

عينَهُ فانْثَنى بِلا عينَينِ

خفِّضِ الحُزنَ يا مُعَنّىمعذب فما يُجْ

دي طِلابُ الآثارِ من بعدِ عَينِ

ولَئِنْ جَلّعظيم ما عَراكَ كما ج

لّ لدى المُسلِمينَ رُزْءُ الحُسينِ

فقَدِ اعتَضْتَ منهُ فَهماً وحزْماً

واللّبيبُ الأريبُ يبْغيَ ذَينِ

فاعصِ من بعدها المَطامعَ واعلَمْ

أنّ صيْدَ الظّباء ليس بهَينِ

لا ولا كُلّ طائِرٍ يلِجُ الفَخّ

ولوْ كانَ مُحدَقاً باللُجَينِ

ولَكَمْ مَنْ سعى ليَصْطادَ فاصْطي

دَ ولك يلْقَ غيرَ خُفّي حُنينِ

فتبصّرْ ولا تشِمْ كلّ برْقٍ

رُبّ برْقٍ فيهِ صواعِقُبرق شديد حَينِ

واغضُضِ الطّرْفَ تسترحْ من غرامٍحب شديد

تكتَسي فيهِ ثوْبَ ذُلٍ وشَينِ

فبَلاءُ الفتى اتّباعُ هوَى النّف

سِ وبذْرُ الهَوى طُموحُمتطلع العينِالذهب

قال الرّاوي: فمزّقتُ رُقعتَهُ شذَرَ مذَرَقطعا متفرقة ولمْ أُبَلْ أعَذَلَ أم عذَرَ