← المقامات
المقامة التاسعة

المقامة الإسكندرية

١٠ دقائق

قالَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ: طَحاقادك بي مَرَحُفتوة الشّبابِ وهوَى الاكتِسابِ الى أن جُبْتُقطعت ما بينَ فرْغانَةَ وغانَةَ أخوضُ الغِمارَالصعاب لأجْني الثّمارَ وأقْتَحِمُ الأخْطارَالمخاوف لكَيْ أُدرِكَ الأوْطارَالمطالب وكُنتُ لَقِفْتُتعلمت منْ أفْواهِ العُلَماء وثَقِفْتُ منْ وَصايا الحُكَماء أنهُ يلْزَمُ الأديبَ الأريبَالماهر

إذا دخَلَ البلَدَ الغريبَ أنْ يَستَميلَ قاضِيَهُالقاضي ويستَخْلِصَ مَراضِيَهُمطالبه ليشْتَدّ ظهرُهُ عندَ الخصامِ ويأمَنَ في الغُربَةِ جَوْرَظلم الحُكّامِ فاتّخذْتُ هذا الأدَبَ إماماًدليلا وجعلْتُهُ لمَصالحي زِماماًمرشدا فما دخلْتُ مَدينةً ولا ولَجْتُ عَرينَةً إلا وامتزجْتُ بحاكمِها امتِزاجَ الماءِ بالرّاحِ وتقوّيْتُ بعِنايَتِهِ تقَوّي الأجْسادِ بالأرْواحِ

فبَينَما أنا عِندَ حاكِمِ الإسكنْدَريّةِ في عشيّةٍ عرِيّةٍ وقد أحضَرَ مالَ الصّدَقاتِ ليَفُضّهُ على ذويأصحاب الفاقاتِالفقر الشديد

إذْ دخَل شيخٌ عِفْرِيَةٌجنية تعْتُلُهُتحمله امرأةٌ مُصْبِيَةٌمبتلاة

فقالت: أيّدَ اللهُ القاضيَ وأدامَ بهِ التّراضي إني امرأةٌ من أكرَمِ جُرثومَةٍأصل النسب وأطْهَرِ أرومةٍالأصل وأشرَفِ خُؤولَةٍ وعُمومَةٍ مِيسَميصفتي الصَّونُحفظ العرض وشيمَتي الهَوْنُالتواضع وخُلُقي نِعْمَ العَوْنُ وبيْني وبينَ جاراتي بوْنٌفرق وكان أبي إذا خطَبَني بُناةُالبناؤون المجْدِ وأرْبابُ الجَدّالغنى سكّتَهُمأسكتوهم وبكّتَهُم وعافَ وُصلَتَهُمْ وصِلَتَهمْ واحتجّ بأنّهُ عاهَدَ اللهَ تَعالى بحَلْفَةٍ أن لا يُصاهِرَ غيرَ ذي حِرفَةٍمهنة فقيّضَ القدَرُ لنَصَبي ووَصَبي أنْ حضَرَ هذا الخُدَعَةُالمخادع ناديَمجلس أبي فأقسَمَ بينَ رهْطِهِقومه أنّهُ وَفْقُ شرْطِهِ وادّعى أنهُ طالَما نظَمَ دُرّةًالحكمة الى دُرّةٍ فباعَهُما ببَدْرَةٍ فاغْتَرّ أبي بزَخرَفَةِ مُحالِهِأباطيله وزوّجَنيهِ قبْلَ اختِبارِ حالِه

فلمّا استَخْرَجَني منْ كِناسيبيتي ورحّلَني عنْ أُناسيأهلي ونقَلَني الى كسْرِهِبيته وحصّلَني تحْتَ أسرِهِحبسه وجدْتُهُ قُعَدَةًكثير القعود جُثَمَةًكثير الجثوم وألفَيْتُهُ ضُجَعَةًكثير الاضطجاع نُوَمَةًكثير النوم وكنتُ صحبْتُهُ برِياشٍ وزِيٍّ وأثاثٍ ورِيٍّ فما برِحَ يَبيعُهُ في سوقِ الهضْمِ ويُتْلِفُ ثمَنَهُ في الخَضْمِ والقَضْمِ الى أنْ مزّقَ ما لي بأسْرِهِ وأنْفَقَ مالي في عُسْرِهِضيق حاله

فلمّا أنْساني طعْمَ الرّاحةِ وغادرَ بيْتي أنْقَى منَ الرّاحةِ

قلتُ له: يا هَذا إنّهُ لا مخْبأ بعْدَ بوسٍ ولا عِطْرَ بعْدَ عَروسٍ فانهَضْ للاكتِسابِ بصِناعَتِكَ واجْنِني ثمَرَةَ براعتِكَ فزعَمَ أن صِناعَتَهُ قد رُمِيتْ بالكَسادِ لِما ظهرَ في الأرضِ من الفَسادِ ولي منْهُ سُلالةٌنسل كأنّهُ خِلالَةٌ وكِلانا ما يَنالُ معَهُ شُبْعَةً ولا ترْقأُتتوقف لهُ منَ الطّوىالجوع دمعَةٌ وقد قُدتُهُ إليْكَ وأحضَرْتُهُ لديْكَ لتَعْجُمَتختبر عودَأساس دعْواهُ وتحْكُمَ بيْنَنا بِما أراكَ اللهُ

فأقْبَلَ القاضي عليْهِ وقال لهُ: قد وعَيْتُفهمت قَصَصَ عِرْسِكَ فبرْهِنِ الآنَ عن نفسِكَ

وإلا كشَفْتُ عن لَبْسِكَ وأمرْتُ بحبْسِكَ فأطْرَقَ إطْراقَ الأُفعُوانِثعبان

ثمّ شمّرَ للحرْبِ العَوانِالشديدة

وقال:

اسْمَعْ حَديثي فإنّهُ عجَبُ

يُضحَكُ من شرحِهِ ويُنتحَبُ

أنا امرؤٌ ليسَ في خَصائِصِهِ

عيْبٌ ولا في فَخارِهِ رِيَبُ

سَروجُ داري التي ولِدْتُ بها

والأصلُ غسّانُ حينَ أنتسِبُ

وشُغليَ الدّرسُ والتبحُّرُ في

العِلمِ طِلابي وحبّذا الطّلَبُ

ورأسُ مالي سِحْرُ الكَلامِ الذي

منهُ يُصاغُ القَريضُالشعر والخُطَبُ

أغوصُ في لُجّةِعمق الماء البَيان فأخ

تارُ اللآلي منْها وأنْتَخِبُ

وأجْتَني اليانِعَالناضج الجَنيَّما جُني منَ

القوْلِ وغيري للعودِ يحْتَطِبُيجمع الحطب

وآخُذُ اللفْظَ فِضّةً فإذا

ما صُغْتُهُ قيلَ إنّهُ ذهبُ

وكُنتُ منْ قبلُ أمْتَريأكسب نشَباًالمال

بالأدَبِ المُقْتَنى وأحتَلِبُ

ويمْتَطي أخْمَصيباطن القدم لُرْمَتِهِ

مَراتِباً ليسَ فوقَها رُتَبُ

وطالَما زُفّتِأتت الصِّلاتُالعطايا الى

ربْعي فلمْ أرْض كلَّ منْ يهَبُ

فاليوْمَ مَنْ يعْلَقُ الرّجاءُ بهِ

أكسَدُ شيءٍ في سوقِه الأدَبُ

لا عِرْضُمساحة أبْنائِهِ يُصانُ ولا

يُرْقَبُيرعى فيهِمْ إلٌّقرابة ولا نسَبُ

كأنّهُمْ في عِراصِهِمْ جِيَفٌ

يُبْعَدُ منْ نتْنِها ويُجْتَنَبُ

فحارَ لُبّي لِما مُنيتُابتليت بهِ

منَ اللّيالي وصرْفُها عجَبُ

وضاقَ ذرْعي لضيقِ ذاتِ يَدي

وساوَرَتْني الهُمومُ والكُرَبُ

وقادَني دهْري المُليمُالذي يلام الى

سُلوكِدخول ما يستَشينُهُيستعيبه الحسَبُ

فبِعْتُ حتى لم يبْقَ لي سبَدٌالصّوف

ولا بَتاتٌزاد إليْهِ أنْقَلِبُ

وادّنْتُ حتى أثقَلتُ سالِفَتي

بحَملِ دَينٍ من دونِه العطَبُالهلاك

ثمّ طوَيتُ الحَشا على سغَبٍجوع

خمْساً فلما أمَضّني السّغَبُ

لمْ أرَ إلا جِهازَها عرَضاً

أجولُ في بيعِه وأضْطَرِبُ

فجُلتُ فيهِ والنّفْسُ كارهَةٌ

والعينُ عَبرَىباكية والقلبُ مُكتَئِبُحزين

وما تجاوزْتُ إذ عبثْتُلعبت بهِ

حَدَّ التَراضي فيحدُثَ الغضَبُ

فإنْ يكُنْ غاظَها توهُّمُهاظنّها

أنّ بَناني بالنّظْمِ تكتسِبُ

أو أنّني إذ عزَمتُ خِطبَتَهامراسلتها

زخْرَفتُ قوْلي لينجَحَ الأرَبُالحاجة

فوالّذي سارَتِ الرّفاقُ الى

كعْبَتِهِ تستَحثُّهاتستعجلها النُّجُبُالإبل الكرام

ما المكْرُالخداع بالمُحصَناتِ من خُلُقي

ولا شِعاريعلامتي التّمويهُ والكذِبُ

ولا يَدي مُذْ نشأتُ نيطَعُلِّق بها

إلا مَواضيالمسرعة اليَراعِالأقلام والكُتُبِ

بل فِكْرَتي تنظِمُ القَلائِدَ لا كفْ

في وشعري المنظوم لا السُّخُبُالعقود

فهَذِهِ الحِرفَةُالصنعة المُشارُ الى

ما كُنتُ أحويأجمع بها وأجتَلِبُ

فأذَنْاسمع لشَرْحي كما أذِنتَ لها

ولا تُراقِبْ واحكُمْ بما يجِبُ

قال: فلمّا أحكَم ما شادَهُشيّده وأكملَ إنشادَهُ عطَفَ القاضي الى الفَتاةِ بعْدَ أن شُعِفَافتُتِنَ بالأبياتِ

وقال: أمَا إنّهُ قدْ ثبَتَ عندَ جميع الحُكّامِ ووُلاةِ الأحْكامِ انقِراضُبوار جيلِ الكِرامِذوو المروءة وميْلُ الأيامِ الى اللّئامِالدنيئون وإني لإخالُ بعْلَكِ صَدوقاً في الكلامِ برِيّاًمنزّه من المَلامِ وها هو قدِ اعتَرَفَ لكِ بالقَرْضِ وصرّحَ عنِ المَحْضِالخالص وبيّنَ مِصْداقَبينة النّظْمِ وتبيّنَ أنّه مَعروقُفقير العظْمِ وإعْناتُ المُعْذِرِالمجهد نفسه مَلأمَةٌنقيصة وحبْسُ المُعسِرِالفقير مألَمةٌمأثم وكِتْمانُ الفَقْرِ زَهادَةٌتَقَشُّف وانتِظارُ الفَرَجِ بالصّبرِ عِبادَةٌ فارْجِعي الى خِدرِكمَخدَع واعذُري أبا عُذْرِكِزوجك ونَهْنِهي عن غَرْبِكِضيق وسلّمي لقَضاءِ ربّكِ

ثمّ إنّهُ فرضَأوجب لهُما في الصّدقاتِ حِصّةًنصيب وناوَلَهُما منْ دَراهِمِهما قَبصَةً

وقال لهُما: تعلّلاخذا شيئا فشيئا بهذه العُلالَةِتَلَهٍّ وتندّيا بهذِهِ البُلالَةِنَدى واصْبِرا على كيْدِمكر الزّمانِ وكدّهِ فعَسى اللهُ أنْ يأتيَ بالفَتْحِ أو أمْرٍ من عِندِه فنَهَضا وللشّيخِ فرْحَةُ المُطْلَقِ من الإسارِأسر وهِزّةُ الموسِرِذو مال بعْدَ الإعْسارِعَوَز

قال الرّاوي: وكنتُ عرفْتُ أنهُ أبو زيدٍ ساعةَ بزغَتْ شمسُهُ ونزغَتْ عِرسُهُ وكدْتُ أُفصِحُ عن افتِنانِه وأثْمارِ أفْنانِهِ

ثمّ أشفَقْتُ من عُثورِ القاضي على بُهتانِه وتزْويقِ لِسانِه فلا يرَى عندَ عِرْفانِه أن يُرشِّحَهُ لإحسانِه فأحْجَمْتُ عنِ القوْلِ إحْجامَ المرْتابِ وطوَيتُ ذكْرَهُ كطَيّ السّجِلّ للكِتابِ إلا أني قُلتُ بعدَما فصَلَ

ووصلَ الى ما وصَلَ: لوْ أنّ لَنا مَنْ ينطَلِقُ في أثَرِه لأتانا بفَصّ خبَرِهِ وبِما يُنْشَرُ من حِبَرِهِ فأتبَعَه القاضي أحدَ أُمنائِهِ وأمرَهُ بالتّجسّسِ عنْ أنبائِهِ فما لبِثَ أنْ رجَعَ مُتَدَهْدِهاً وقهْقَرَ مُقهْقِهاً

فقال له القاضي: مَهْيَمْ يا أبا مرْيَمَ؟

فقال: لقدْ عايَنْتُ عجَباً وسمعْتُ ما أنْشأ لي طرَباً

فقال لهُ: ماذا رأيتَ وما الذي وعَيْتَ؟

قال: لمْ يزَلِ الشيخُ مذْ خرَجَ يُصفّقُ بيَدَيْهِ ويخالِفُ بينَ رِجلَيْهِ ويغرّدُ بمِلء شِدْقَيْهِ

ويقول:

كِدْتُ أصْلَى ببَلِيّهْ

منْ وَقاحٍ شَمّرِيّهْ

وأزورُ السّجْنَ لوْلا

حاكِمُ الإسكندريّهْ

فضحِكَ القاضي حتى هوَتْ دنِّيّتُهُ وذوَتْ سكينَتُهُوقاره

فلمّا فاءرجع الى الوَقارِ وعقّبَ الاستِغْرابكثرة الضحك بالاستِغْفارِ

قال: اللهُمّ بحُرمَةِ عِبادِكَ المقرّبينَ حرّمْ حبْسي على المتأدّبينَ

ثمّ قال لذلِكَ الأمين:

عليّ بهِجئني به فانطلقَ مُجِدّاًمجتهدا بطلَبِه

ثمّ عادَ بعدَ لأيِهِإبطائه مخبّراً بنأيِهِ

فقال لهُ القاضي: أمَا إنّهُ لوْ حضَرَ لكُفيَ الحذرَالخوف

ثمّ لأوْلَيْتُهُ ما هو به أوْلىأحق ولأرَيتُهُ أنّ الآخِرَةَ خيرٌ لهُ من الأولى

قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا رأيتُ صَغْوَميل القاضي إليهِ وفَوْتَ ثمرَةِ التّنبيهِالإعلام علَيْهِ غَشِيَتنيغطتني نَدامَةُ الفرَزْدَقِ حينَ أبانَطلّق النّوارَاسم امرأة والكُسَعيِّ لمّا استَبانَتبيّن النّهارَ