أخبرَ الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: رأيتُ منْ أعاجيبِ الزّمانِ أن تقدّم خَصْمانِمتخاصمان الى قاضي مَعرّةِ النّعمانِ أحدُهُما قدْ ذهَبَ منْهُ الأطْيَبانِ والآخَرُ كأنّهُ قَضيبُ البانِ
فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ كما أيّدَ بهِ المُتقاضيَالطالب للحكم إنّهُ كانَتْ لي مَمْلوكَةٌمُقتناة رَشِقَةُ القدّ أسيلَةُملساء الخدّ صَبورٌ على الكدّالمشقة تخُبّتسرع أحْياناً كالنّهْدِ وترقُدُ أطْواراً في المهْدِ وتجِدُ في تمّوزَ مَسَّ البَرْدِ ذاتُ عقْلٍ وعِنانٍ وحدٍ وسِنانٍنعسان وكفٍّ ببَنانٍ وفمٍ بلا أسْنانٍ تلْدَغُتلسع بلِسانٍ نَضْناضٍسريع الحركة وترْفُلُ في ذيْلٍ فضْفاضٍواسع وتُجْلى في سَوادٍمنطقة خصبة وبَياضٍ وتُسْقَى ولكِنْ منْ غيرِ حِياضٍأحواض الماء ناصِحَةٌحاذقة خُدَعَةٌماكرة خُبَأةٌمستترة طُلَعَةٌ مطْبوعَةٌمصاغة على المنفَعَةِ ومطْواعَةٌ في الضّيقِ والسَّعَةِ
إذا قطَعَتْ وصَلَتْ ومتى فصَلتَها عنْكَ انفَصَلَتْ وطالَما خدَمَتْكَ فجمّلَتْ وربّما جنَتْ عليْكَ فآلَمَتْ وملْمَلَتْ وإنّ هذا الفَتى استَخْدَمَنيها لغرَضٍ فأخْدَمْتُهُ إيّاها بِلا عِوَضٍ على أن يجْتَنيَيحصد نفْعَها ولا يُكلّفَها إلا وُسْعَه فأوْلَجَ فيها مَتاعَهُ وأطالَ بها استِمْتاعَهُ
ثم أعادَها إليّ وقدْ أفْضاهاأفرغها وبذَلَ عنْها قيمَةً لا أرضاها
فقال الحَدَثُالشاب: أمّا الشيخُ فأصدَقُ منَ القَطاطائر وأما الإفْضاءُ ففَرَطَ عنْ خَطاغير تعمد وقدْ رهَنْتُهُأعطيته رهنا عن أرْشِثمن ما أوْهَنْتُهُأضعفته ممْلوكاً لي مُتناسِبَمتشابه الطّرَفَينِ مُنتَسِباً الى القَينِالحدّاد نقِيّاً منَ الدّرَنِقذارة والشَّينِ يُقارِنُيوافق محلُّهُ سَوادَ العينِ يُفْشييظهر الإحْسانَ ويُنْشي الاسْتِحْسانَ ويُغْذي الإنْسانَ ويتَحامَى اللّسانَ إنْ سُوّدَلوّنه بالكحل جادَأحسن إلى أو وَسَمَ أجادَ وإذا زُوّدَ وَهَبَ الزّادَ ومَتى اسْتُزيدَيطلب الزيادة زادَ لا يستَقِرّ بمَغْنى وقلّما ينكِحُيكتحل إلا مَثْنى يسْخو بمَوجودِه ويسْمو عندَ جودِهِ وينْقادُ معَ قَرينَتِهِرفيقته وإنْ لمْ تكنْ منْ طينَتِهِطبيعته ويُستَمْتَعُ بزينَتِهِ وإنْ لمْ يُطْمَعْ في لينَتِهرِقّته
فقال لهُما القاضي: إمّا أن تُبينا وإلا فَينا
فابْتَدَر الغُلامُ وقال:
أعارني إبرَةً لأرفوَ أطْما
راً عَفاها البِلىتغيّر القدم وسوّدَها
فانخرَمَتْ في يَدي على خطَإٍ
منّيَ لمّا جذَبْتُ مِقوَدَهازمامها
فلمْ ير الشيخُ أن يُسامِحَني
بإرْشِها إذْ رأى تأوُّدَهاشكواها
بلْ قال هاتِ إبرَةً تُماثِلُها
أو قيمَةً بعْدَ أن تجوّدَهاتقييمها
واعْتاقَ ميلي رَهْناً لدَيْهِ ونا
هيكَ به سُبّةً تَزوّدَهاتزيدها
فالعينُ مَرْهَىخالية من الكحل لرَهْنِه ويدي
تقصُرُ عنْ أن تفُكّ مِروَدَها
فاسبُرْتحقق بذا الشّرْحِ غوْرَ مسكَنتي
وارْثِ لمنْ لم يكُنْ تعوّدَها
فأقبلَ القاضي على الشيخِ وقال: إيهٍ
بغَيرِ تمْويهٍ! فقال:
أقسَمْتُ بالمَشْعَرِ الحَرامِ ومنْ
ضمّ منَ الناسِكينَ خَيْفُ مِنى
لوْ ساعَفَتْني الأيّامُ لمْ يرَني
مُرتَهِناً مِيلَهُ الذي رَهَنا
ولا تصدّيتُ أبتَغي بدَلاً
منْ إبرَةٍ غالَها ولا ثَمَنا
لكِنّ قوْسَ الخُطوبِالشدائد ترْشِقُني
بمُصْمِياتٍقاتلة منْ هاهُنا وهُنا
وخُبْرُ حالي كخُبْرِ حالتِهِ
ضُرّاً وبؤساً وغُربَةً وضَنى
قد عدَلَ الدهْرُ بينَنا فأنا
نظيرُهُ في الشّقاء وهْوَ أنا
لا هُوَ يسْطيعُ فكّ مِروَدِهِ
لمّا غدا في يَدَيّ مُرتَهَنا
ولا مَجاليموضع التصرف لِضيقِ ذاتِ يَديمالي
فيهِ اتّساعٌ للعَفْوِ حينَ جَنى
فهَذِهِ قصّتي وقصّتُه
فانْظُرْ إلَيْنا وبينَنا ولَنا
فلمّا وعَى القاضي قَصَصهُما وتبيّنَ خَصاصَتَهُما وتخَصُّصَهُما أبرَزَ لهُما ديناراً منْ تحْتِ مُصَلاُّه
وقال لهُما: اقْطَعا بهِ الخِصامَ وافِصلاهُ فتلقّفَهُ الشيخُ دونَ الحدَثِ واستَخلَصَهُ على وجهِ الجِدِّ لا العبَثِ
وقال للحدَثِ: نِصْفُه لي بسَهْمِ مَبَرّتي وسهْمُكَ لي عنْ أرْشِ إبْرَتي ولستُ عنِ الحقّ أميلُ فقُمْ وخُذِ الميلَ فعَرا الحدَثَ لما حدثَ اكتِئابٌ واكفَهَرّ على سَمائِهِ سَحابٌ وجَمَ لهُ القاضي وهيّجَ أسَفَهُحزنه على الدّينارِ الماضي إلا أنّهُ جبَرَأعان بالَهم الفتَى وبَلْبالَهُ بدُرَيْهِماتٍ رضَخَأعطى بها له
وقال لهُما: اجْتَنِباتباعدا المُعامَلاتِالمعاوضات والعواري وادْرآ المُخاصَماتِالخصومات ولا تحْضُراني في المُحاكَماتِ فما عِندي كيسُوعاء الدراهم الغَراماتِ
فنَهَضا منْ عِنْدِه فرِحَينَ برِفْدِه مُفصِحَينِمُظهرين بحَمدِه والقاضي ما يخْبو ضجَرُهُسأمه مُذْ بضَّكسر حجَرُهُ ولا ينْصُلُ كمدُهحزنه مُذْ رشَحَسال جَلمَدُهُقسوته
حتى إذا أفاقَ منْ غشيَتِهإغمائه أقبلَ على غاشِيَتِهزوّاره
وقال: قدْ أُشرِبَ حِسّي ونبّزني حدْسي أنهُما صاحِبا دَهاءفطنة لا خَصْما ادّعاءتظاهر فكيفَ السّبيلُ الى سبرِهِمااختبارهما واستِنْباطِ سرّهِما؟ فقال له نِحْريرُماهر زُمرَتِه
وشِرارَةُ جَمرَتِه: إنّه لنْ يتِمّ استِخراجُ خَبْئِهِماخفيّهما إلا بهِما فقَفّاهُما عَوْناًشرطي يُرْجِعُهُما إليْهِ
فلمّا مَثَلاوقفا بينَ يدَيهِ
قالَ لهُما: اصْدُقانيأخبِراني صدق سِنّحقيقة بَكْرِكُماجدّكما ولكُما الأمانُ منْ تبِعَةِعاقبة مَكْرِكُماخداعكما فأحْجَمَ الحدَثُ واسْتقالَ
وأقدَمَ الشيخُ وقال:
أنا السَّروجيُّ وهذا ولَدي
والشّبْلُ في المَخْبَرِ مثلُ الأسَدِ
وما تعدّتْ يدُهُ ولا يَدي
في إبرَةٍ يوْماً ولا في مِرْوَدِ
وإنّما الدهرُ المُسيءُ المُعْتَدي
مالَ بِنا حتى غدَوْناً نجْتَدينطلب العطاء
كلَّ نَدي الرّاحةِ عذْبِ المَوْرِدِ
وكلَّ جعْدِ الكفّضيّق الكف مغْلولَ اليَدِ
بكُلّ فنٍ وبكلّ مقْصَدِ
بالجِدّ إنْ أجْدَى وإلاّ بالدَّدِ
لنَجلِبَ الرّشْحَالجهد الى الحظّ الصّديعطشان
ونُنْفِدَ العُمْرَ بعيشٍ أنْكَدِمشئوم
والموتُ منْ بعْدُ لَنا بالمَرصَدِ
إنْ لمْ يُفاجِيأتي غفلة اليومَ فاجَى في غَدِ
فقال لهُ القاضي: للهِ دَرُّكَلله درك فما أعذَبَ نفَثاتِكلمات فيكَ وواهاً لكَ لوْلا خِداعٌ فيكَ! وإني لكَ لمِنَ المُنْذِرِينَ وعليْكَ منَ الحَذِرينَ فلا تُماكِرْتخادع بعْدَها الحاكِمينَ واتّقِ سَطْوَةَبطشة المُتحكّمينَ فما كُلّ مُسيْطِرٍأمير مسلط يُقيلُيغفر الذنب ولا كُلّ أوانٍوقت يُسْمَعُ القِيلُ فعاهَدَهُ الشيخُ على اتّباعِ مَشورَتِهاستشارة والارْتِداعِ عن تلْبيسِتخليط صورتِهِقصته وفصَلَ عن جِهتِهِ والختْرُ يلمَعُيضيء من جبهتِهِ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ أرَ أعجَبَ منْها في تصاريفِالتصرف بالجولان الأسْفارِالكتب العظام ولا قرَأتُ مِثلَه في تصانيفِ الأسْفارِ