حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: أزْمَعْتُعزمت الشّخوصَالخروج منْ بَرْقَعيدَ وقد شِمْتُنظرت برْقَ عِيدٍ فكرِهتُ الرّحلةَالسفر عنْ تلكَ المَدينَةِ أو أشهَدَ بها يوْمَ الزّينَةِالتجمل
فلمّا أظَلّأتى بفَرْضِهِ ونفْلِهِ وأجْلَبَ بخَيْلِهِ ورَجْلِهِ اتّبَعْتُ السُنّةَ في لُبسِ الجَديدِ وبرَزْتُ معَ مَنْ برَزَللتّعييدِ وحينَ التَأمَ جمْعُ المُصَلّى وانْتَظَمَ وأخذَ الزِّحامُ بالكَظَمِ طلَعَ شيخٌ في شمْلَتَينِثوبين محْجوبُمستتر المُقلتَيْنِ وقدِ اعْتَضَدَعلق في عضده شِبْهُ المِخْلاةِجراب واسْتَقادَ لعَجوزٍ كالسِّعْلاةِ فوقَفَ وِقْفَة مُتهافِتٍمتساقط وحيّا تحيّةَ خافِتٍقليل
ولمّا فرَغَ منْ دُعائِهِ أجالَحرّك خَمْسَهُ في وِعائِهِحقيبته فأبْرَزَ منْهُ رِقاعاًقطع ورق قدْ كُتِبنَ بألوانِ الأصْباغِالألوان في أوانِ الفَراغِ فناوَلَهُنّ عَجوزَهُ الحَيْزَبونَعجوز قبيحة وأمرَها بأنْ تتوسّمَتبحث الزَّبونَطالب فمَنْ آنسَتْأبصرت نَدىكرم يدَيْهِ ألْقَتْ ورَقَةً منهُنّ لدَيْهِ فأتاحَ ليَ القدَرُمقدار المعْتوبُالملوم
رُقْعَةً فيها مكْتوبٌ:
لقَدْ أصبَحْتُ موقوذاًمشرف على الموت
بأوجاعٍ وأوْجالِ
ومَمْنُواً بمُخْتالٍ
ومُحْتالٍ ومُغْتالِ
وخَوّانٍ منَ الإخْوا
نِ قالٍ لي لإقْلالي
وإعْمالٍ منَ العُمّا
لِ في تضْليعِ أعْمالي
فكمْ أُصْليأحترق بإذحالٍ
وإمْحالٍ وترْحالِ
وكَمْ أخْطِرُمتبخترا في بالٍخلق
ولا أخْطُرُ في بالِ
فلَيْتَ الدّهْرَ لمّا جا
رَ أطْفاأمات ليَ أطْفاليأولادي
فلَوْلا أنّ أشْبا
ليَ أغْلالي وأعْلالي
لَما جهّزْتُأرسلت آمالي
الى آلٍقريب ولا والي
ولا جرّرْتُ أذْيالي
على مَسْحَبِطريق إذْلالي
فمِحْرابيَ أحْرَىأحق بي بي
وأسْماليَ أسْمَى ليأعزّ لي
فهلْ حُرٌ يَرى تخْفي
فَ أثْقاليهمومي بمِثْقالِ
ويُطْفي حَرَّ بَلْباليحزني
بسِرْبالٍ وسِرْوالِ
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلما استَعْرَضْتُ حُلةَثوب فاخر الأبْياتِ تُقْتُتطلعت الى معرِفَةِ مُلْحِمِهاناسجها وراقِمِ علَمِها فناجاني الفِكْرُ بأنّ الوُصْلَةَ إلَيْهِ العَجوزُ وأفْتاني بأنّ حُلوانَمكافأة المُعرِّفِالمحدد يَجوزُ فرَصَدْتُها وهيَ تستَقْريتطلب الصّفوفَ صَفّاً صَفاً وتستَوكِفُ الأكُفَّ كفّاً كفاً وما إنْ ينْجَحُينفع له عَناءٌتعب ولا يرْشَحُ على يدِها إناءٌ
فلما أكْدىفشل استِعْطافُهاطلب العطف وكدّها مَطافُهادورانها عاذَتْتعوّذت بالاسْتِرْجاعِ ومالَتْ الى إرجاعِردّ الرِّقاعِالرسائل وأنْساها الشيْطانُ ذِكْرَ رُقْعَتي فلمْ تعُجْتميل الى بُقْعَتيموضعي وآلَتْ الى الشيْخِ باكيةً للحِرْمانِ شاكِيةً تحامُلَمشقّات الزّمانِ
فقالَ: إنّا للهِ وأفوّضُ أمْري الى اللهِ ولا حوْلَلا حيلة ولا قوّةَ إلا باللهِ
ثمّ أنْشَدَ:
لمْ يبْقَ صافٍخالص الود ولا مُصافٍصادق في وده
ولا مَعينٌماء كثير ولا مُعينُ
وفي المَساويضد المحاسن بَداظهر التّساوي
فلا أمينٌ ولا ثَمينُ
ثم قال لهاقادر عليها: مَنّي النّفْسَ وعِديها واجْمَعي الرِّقاعَ وعُدّيها
فقالَتْ: لقدْ عدَدْتُها لمّا استَعَدْتُهارددتها فوجَدْتُ يدَ الضّياعِ قد غالَتْأهلكت إحْدى الرِّقاعِ
فقال: تعْساًهلكا لكِ يا لَكاعِلئيمة! أنُحْرَمُ ويْحَكِ القنَصَالصيد والحِبالَةَ والقَبَسَ والذُبالةَ؟ إنّها لضِغْثٌ على إبّالَةٍحزمة كبيرة! فانْصاعَتْ تقْتَصّ مَدْرَجَهاطريقها وتَنْشُدُ مُدْرَجَها
فلمّا دانَتْني قرَنْتُ بالرُقعَةِ دِرْهَماً وقِطْعَةً
وقلتُ لها: إنْ رَغِبتِ في المَشوفِالمصقول المجلوّ المُعْلَمِالمنقوش وأشَرْتُ الى الدّرهَمِ فَبوحي بالسّرّ المُبهَمِالمغلق الملبس وإنْ أبَيْتِامتنعت أنْ تشْرَحي فخُذي القِطعَةَالواحدة من صرف واسرَحي فمالَتْ الى استِخْلاصِتخليص البدْرِ التِّمّالكامل والأبلَجِ الهِمّالكبير الذي يهمّ
وقالتْ: دعْ جِدالَكَ وسَلْ عمّا بَدا لَكَرغبت فاستَطْلَعْتُها طِلْعَ الشّيخٍ وبَلْدَتِهِ والشِّعْرِ وناسِجِ بُرْدَتِهثوبه
فقالَتْ: إنّ الشيخَ من أهلِ سَروجَ وهوَ الذي وشّى الشّعرَ المَنسوجَ
ثمّ خَطِفَتِ الدّرْهمَ خَطفَةَ الباشِقِ ومرَقَتْ مُروقَ السّهْمِ الرّاشِقِ فخالَجَ قلْبي أنّ أبا زيْدٍ هوَ المُشارُ إليْهِ وتأجّجَ كرْبي لمُصابِهِ بناظِرَيْهِ وآثرْتُ أنْ أُفاجِيهِ وأناجيهِ لأعْجُمَ عودَ فِراسَتينظري فيه وما كُنتُ لأصِلَ إليْهِ إلا بتَخطّي رِقابِ الجمْعِ المَنْهيّ عنْهُ في الشّرْعِ وعِفْتُ أنْ يتأذّى بي قوْمٌ أو يسْري إليّ لوْمٌ فسَدِكْتُ بمَكاني وجعلْتُ شخْصَهُ قيْدَ عِيانيغرض نظري الى أنِ انْقضَتِتمت الخُطبَةُ وحقّتِ الوثْبَةُالقفزة فخفَفْتُ إليْهِ وتوسّمْتُهُ على التِحامِالتصاق وانغلاق جَفنَيْهِ
فإذا ألمَعيّتيذكاء وصدق ظن ألمَعيّةُ ابنِ عبّاسٍ وفِراسَتي فِراسَةُ إياسٍ فعرّفتُهُ حينَئِذٍ شخْصي وآثَرْتُه بأحَدِ قُمْصي وأهَبْتُ بهِ الى قُرْصي فهشّ لعارِفَتي وعِرْفاني ولبّى دعْوَةَ رُغْفانيخبزي وانْطَلَقَ ويَدي زِمامُهُمقوده وظلّي إمامُهُهاديه والعجوزُ ثالثَةُ الأثافيحجارة القدر والرّقيبُ الذي لا يَخْفَى عليْهِ خافي
فلمّا استَحْلَسَ وُكْنَتي وأحضَرْتُهُ عُجالَةَسرعة مُكْنَتيطعام
قال لي: يا حارِثُ أمَعَناانضم إلينا ثالِثٌ؟
فقلتُ: ليسَ إلا العَجوزُ
قال: ما دونَها سِرٌ محْجوزٌممنوع
ثمّ فتَحَ كريمَتَيْهِعينيه ورأرَأ بتوْأمَتَيهِ
فإذا سِراجا وجْهِهِ يقِدانِتلألآن كأنّهُما الفَرْقَدانِنجمان فابْتَهَجْتُ بسَلامَةِ بصَرِهِ وعجِبْتُ منْ غَرائِبِعجائب سِيَرِهِعاداته ولمْ يُلْقِني قَرارٌسكون ولا طاوَعَني اصْطِبارٌصبر
حتى سألْتُهُ: ما دَعاكَ الى التّعامياستعمال العمى معَ سيرِكَ في المَعاميالمَرافِع وجوْبِكَ المَواميالصحاري وإيغالِكَ في المَراميالأهداف؟ فتَظاهَرَ باللُّكْنَةِ وتشاغَلَ باللُّهْنَةِ
حتى إذا قَضى وطَرَهُحاجته أتْأرَتابع نظره إليّ نظَرَهُ
وأنشَدَ:
ولمّا تَعامى الدّهرُ وهْوَ أبو الوَرىالخلق
عنِ الرُشْدِ في أنحائِهِأغراضه ومقاصِدِهْ
تعامَيتُ حى قيلَ إني أخو عَمًى
ولا غَرْوَعجب أن يحذويفعل الفتى حَذوَ والِدهْ
ثمّ قال لي: انْهَضْ الى المُخدَعِ فأتِني بغَسولٍ يَروقُ الطّرْفَ ويُنْقي الكَفَّ وينعِّمُ البَشَرةَ ويُعطِّرُ النّكهَةَ ويشُدّ اللّثَةَلحم على الأسنان ويقوّي المَعِدَةَ ولْيَكُنْ نَظيفَ الظَّرْفِ أريجَعطر العَرْفِرائحة زكية فتيَّ الدّقِّطري الكسر ناعِمَحسن السّحْقِ يحسَبُهُ اللاّمِسُالذي يمسه ذَروراً ويَخالُهُ الناشِقُالشام كافوراً واقْرُنْ بهِ خِلالَةً نقيّةَ الأصْلِ محبوبَةَ الوصْلِ أنيقَةَ الشّكلِ مَدْعاةًداعية الى الأكْلِ لها نَحافَةُ الصّبّرقة العاشق وصَقالَةُ العَضْبِسيف قاطع وآلَةُ الحرْبِ ولُدونَةُ الغُصْنِ الرّطْبِ
قال:
فنَهضْتُ فيما أمَرَ لأدْرَأَ عنْهُ الغَمَرَ ولمْ أهِمْ الى أنّهُ قصَدَ أنْ يَخْدَعَ بإدْخاليَ المُخدَعَ ولا تظنّيْتُ أنّهُ سخِرَ منَ الرّسولِ في استِدْعاء الخِلالَةِعويد رقيق والغَسولِ
فلمّا عُدْتُ بالمُلتَمَسِ في أقرَبَ منْ رجْعِ النّفَسِ وجدْتُ الجوّ قدْ خَلا والشيْخَ والشيْخَةَ قد أجْفَلاهربا فاستَشَطْتُ منْ مَكْرِهِ غضَباً وأوْغَلتُ في إثْرِهِ طلَباً فكانَ كمَنْ قُمِسَغاص في الماء في الماء أو عُرِجَ بهِصعد به الى عَنانِسماء السّماء