← المقامات
المقامة السادسة

المقامة المراغية

١٠ دقائق

رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: حضَرْتُ ديوانَ النّظرِمجلس مناظرة بالمَراغَةِ وقدْ جَرى بهِ ذكْرُ البَلاغَةِ فأجمَعَ مَنْ حضَرَ منْ فُرْسانِ اليَراعَةِالقلم وأرْبابِ البَراعةِ على أنّهُ لمْ يبْقَ مَنْ يُنقّحُيُحسّن الإنْشاءَ ويتصرّفُ فيهِ كيفَ شاءَ ولا خلَفَبقي بعْدَ السّلَفِالمتقدمون مَنْ يبتَدِعُيُحدِث طريقةً غَرّاءواضحة أو يفتَرِعُيفتضّ رسالةً عذْراءَبِكر وأنّ المُفلِقَالفصيح من كُتّابِ هذا الأوانِ المُتمكّنَ من أزِمّةِ البَيانِ كالعِيالِ على الأوائِلِ ولو ملَكَ فَصاحَةَ سحْبانِ وائِلٍ وكان بالمجْلِسِ كهْلٌ جالِسٌ في الحاشيةِ عندَ مَواقِفِ الحاشِيَةِ فكانَ كلّما شطّ القوْمُ في شوْطِهِمْ ونشَروا العَجْوَةَ والنّجْوَةَ منْ نوْطِهِمْ يُنْبئ تَخازُرُنظر بمؤخر عينيه طرْفِهِ وتشامُخُ أنفِهِ أنّهُ مُخْرَنْبِقٌمتهيّئ ليَنْباعَلينهض ومُجْرَمِّزٌ سيَمُدّ الباعَ ونابِضٌ يبْري النِّبالَ ورابِضٌ يبْغي النّضالَالمراماة

فلمّا نُثِلَتِفرغت الكَنائِنُأوعية السهام وفاءتِ السّكائِنُالوقار وركَدَتِ الزّعازعُرياح شديدة وكفّ المُنازِعُالمخالف وسكنَتِ الزّماجِرُ وسكتَ المزْجورُ والزّاجِرُ

أقبَلَ على الجَماعَةِ وقال: لقَدْ جئْتُمْ شيْئاً إدّاًخطيرًا وجُرْتُمْ عنِ القصْدِ جِدّاًكثيرًا وعظّمتُمُ العِظامَ الرُّفاتَالعظام البالية وافْتَتُّمْ في المَيْلِ الى مَنْ فات، وغمصتم جيلكم الذين فيهم لكم اللذت، معهم انعَقَدَتِ المودّاتُ أنَسيتُمْ يا جَهابِذَةَالماهرون النّقْدِ ومَوابِذَةَ الحَلّ والعَقْدِ ما أبْرَزَتْهُ طَوارِفُالجديدات القَرائِحِالطبائع وبرّزَ فيهِ الجذَعُالفتي على القارِحِالكبير منَ العِباراتِ المهَدَّبَةِ والاستِعاراتِ المُستَعْذَبَةِ والرّسائِلِ الموشّحَةِ والأساجيعِ المُستَمْلَحَةِالمستحسنة؟ وهلْ للقُدَماء إذا أنعَمَ النّظَرَ مَنْ حضَرَ غيرُ المَعاني المطْروقَةِالمستخدمة بكثرة المَوارِدِ المعْقولَةِ الشّوارِدِالقلائل المأثورَةِ عنهُمْ لتَقادُمِ المَوالِدِعصور لا لتقدُّمِ الصّادِرِ على الوارِدِ؟ وإني لأعْرِفُ الآنَ مَنْ إذا أنْشا وشّىنقّش وإذا عبّرَ حبّرَأجاد الكتابة وإنْ أسهَبَتوسع أذْهَبَتمادى وإذا أوْجَزَقلل أعْجَزَأتى بما لا يستطاع وإنْ بَدَهَأتاه بغتة شدَهَصلّبه ومتى اخْتَرَعَ خرَعَسبق فقالَ لهُ ناظورَةُ الدّيوانِ

وعينُ أولَئِكَ الأعْيانِ: مَنْ قارِعُ هذِهِ الصّفاةِ وقَريعُ هذِهِ الصّفاتِ؟

فقال: إنّه قِرْنُنظير مَجالِكَميدان كلامك وقَرينُ جِدالِكَمجادلتك وإذا شِئْتَ ذاكَ فرُضْ نَجيباً وادْعُ مُجيباً لتَرى عَجيباً

فقال لهُ: يا هَذا إنّ البُغاثَصغار الطير بأرضِنا لا يَستَنْسِرُيصير نسرا والتّمييزَ عندَنا بينَ الفِضّةِ والقضة متيَسِّرٌ وقَلَّ منِ استَهدَفَ للنّضالِ فخلّصَ منَ الدّاء العُضالِداء لا يبرى أوِ استَسارَ نقْعَغبار الامْتِحانِالاختبار فلمْ يُقْذَرمى بالامتِهانِ فلا تُعرِّضْ عِرْضَكَ للمَفاضِحِ ولا تُعْرِضْ عنْ نَصاحَةِ النّاصِحِ

فقال: كُلُّ امرِئٍ أعْرَفُ بوسْمِ قِدْحِهِسهمه وسيَتَفرّى الليلُ عنْ صُبْحِهِ فتَناجَتِ الجَماعَةُ فيما يُسْبَرُيستكشف بهِ قُلَيْبُهُبئره ويُعْمَدُ فيهِ تقْليبُهُالتفكر فيه

فقال أحدُهُمْ: ذَرُوهُاتركوه في حِصّتينصيبي لأرْميَهُ بحَجَرِ قِصّتيخبري فإنّها عُضْلَةُشدة العقد العُقَدِجمع عقدة ومِحَكُّ المُنْتَقَدِ فقلّدوهُ في هذا الأمْرِ الزّعامَةَالرئاسة تقْليدَ الخوارِجِ أبا نَعامَةَ

فأقْبَلَ على الكهْلِ وقالَ: اعْلَمْ أني أُواليألازم هذا الوالي وأُرَقّحُ حالي بالبَيانِ الحاليالمزيّن بالحلي وكُنْتُ أستَعينُ على تقْويمِ أوَديفسادي في بلَدي بسَعَةِ ذاتِ يَدي معَ قِلّةِ عدَديعيالي

فلمّا ثَقُلَ حاذيخُطاي ونفِدَ رَذاذينثري أمّمْتُهُ منْ أرْجائيجهات وبلاد برَجائي ودعوْتُهُ لإعادَةِ رُوائيحسن الهيئة والحال وإرْوائي فهَشّ للوِفادَةِ وراحَ وغَدا بالإفادَةِ وراحَ

فلمّا استأذَنْتُهُ في المَراحِمرتفق الى المُراحِ على كاهِلِما بين الكتفين المِراحِ

قال: قدْ أزْمَعْتُعزمت أنْ لا أزوّدَكَ بَتاتاًزادا ولا أجْمعَ لكَ شَتاتاًمال متفرق أو تُنْشِئَتصنع وتكتب لي أمامَ ارتِحالِكَقبل السفر رِسالَةً تودِعُهاتضمّن وتجعل شرْحَ حالِكَ حُروفُ إحْدى كلِمتَيْها يعُمّها النَّقْطُ وحُروفُ الأخْرى لمْ يُعْجَمْنَينقطن قطّما مضى وقدِ استأنَيْتُأمهلت وأخّرت بَياني حَوْلاً فَما أحارَردّ وراجع قوْلاً ونَبَهْتُ فِكْري سَنَةًحولا فما ازْدادَ إلا سِنَةً واستَعَنْتُ بقاطِبَةِ الكُتّابِ فكلٌ منْهُمْ قطّبَعبّسه وتابَ فإنْ كُنتَ صدَعْتَأوضحت وأظهرت عنْ وصْفِكَ باليَقينِ فأتِ بآيَةٍ إنْ كُنتَ منَ الصّادِقين

فقال لهُ: لقَدِ استَسْعَيْتَطلبت جريه يَعْبوباً واستَسْقَيْتَ أُسْكوباً وأعطَيْتَ القوْسَ بارِيَهاصانعها أسْكَنْتَ الدّارَ ثانِيَها

ثمّ فكّرَ ريثَما اسْتَجَمّاستكثر قريحَتَهُطبيعته واستَدَرّ لَقْحَتَهُ

وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ

وخُذْ أداتَكَقلمك واكتُبْ: ااسْتَجَمّ قريحَتَهُ واستَدَرّ لَقْحَتَهُ

وقالَ: ألْقِ دَواتَكَ واقْرُبْ

وخُذْ أداتَكَ واكتُبْ: الكرَمُ ثبّتَ اللهُ جيْشَ سُعودِكَ يَزينُ واللّؤمُ غَضّ الدّهرُ جَفْنَ حَسودِكَ يَشينُيعيب والأرْوَعُ يُثيبُ والمُعْوِرُ يَخيبُ والحُلاحِلُ يُضيفُ والماحِلُ يُخيفُ والسّمْحُ يُغْذييطعم والمَحْكُ يُقذييهيج

والعطاء ينجييخلّص والمطال يشجييحزن، والدعاء يفييصدق وفيّا والمدح ينقييغسل العيب والحُرُّ يَجْزي والإلْطاطُ يُخْزييهين واطّراحُ ذي الحُرْمَةِصاحب الحرمة غَيٌفساد وضلال ومَحْرَمَةُ بَني الآمالِأهل الرجاء بغْيٌظلم وما ضنّبخل إلا غَبينٌمغبون ولا غُبِنَ إلا ضَنينٌبخيل ولا خزَنَتخزين إلا شَقيٌتعيس ولا قبَضَ راحَهُالمنع والبخل تقيٌ وما فتئتوقف وعدُك يَفي وآراؤكَ تَشْفيتزيل الهمّ وهِلالُكَ يُضي وحِلْمُك يُغْضي وآلاؤكَ تُغْني وأعداؤكَ تُثْني وحُسامُك يُفْني وسؤدَدُكَ يُقْني ومُواصِلُكَ يجْتَنييحصد ومادِحُك يقْتَنييكتسب وسماحُكَ يُغيثُ وسماؤكَ تَغيثُ ودرُّكَ يَفيضُيسكب وردُّكَ يَغيضُينقص ومؤمِّلُكَ شيْخٌ حَكاهُ فَيْءٌ ولمْ يبْقَ لهُ شيءٌ أمّكَ بظَنٍقصدك برجاء حِرصُهُ يثِبُطمعه يتزايد ومدَحَكَ بنُخَبٍ مُهورُهاحقوقها تجِبُ

ومَرامُهُ يخِفُّ وأواصِرُهُ تشِفُّتظهر وإطْراؤهُ يُجْتَذَبُ وملامُهُ يُجتَنَبُ وورَاءهُ ضَفَفٌكثرة مَسّهُمْ شظَفٌشدة وحصّهُمْ جنَفٌجور وعمّهُمْ قشَفٌخشونة وهوَ في دمْعٍ يُجيبُ وولَهٍ يُذيبُ وهَمٍّ تَضيّفَ وكمَدٍ نيّفَيتجاوز لمأمولٍ خيّبَ وإهْمالٍ شيّبَ وعدوٍّ نَيّبَمؤذٍ وهُدُوٍّ تغيّبَيختفي ولمْ يزِغْ ودُّهُ فيغْضَبَ ولا خَبُثَ عودُهُ فيُقْضَبَ ولا نفَثَ صدْرُهُ فيُنْفَضَ ولا نشَزَخلاف وصْلُهُ فيُبْغَضَ وما يقْتَضي كرَمُكَ نبْذَرفض حُرَمِهِ فبيِّضْ أمَلَهُ بتَخْفيفِ ألَمِهِ ينُثّ حمدَكَ بينَ عالَمِهِ بقيتَ لإماطَةِ شجَبٍمصيبة وإعْطاءِ نشَبٍمال ومُداواةِ شجَنٍحزن ومُراعاةِ يفَنٍفناء موصولاً بخَفْضٍ وسُرورٍ غَضٍّ

ما غُشِيَغطى معْهَدُمكان غنيٍّ أو خُشِيَ وهْمُ غبيٍّ والسّلامُ

فلمّا فرَغَ منْ إمْلاءِإلقائها رِسالَتِهِ وجلّى في هَيْجاءحرب البَلاغَةِ عنْ بَسالَتِهِشجاعته أرضَتْهُ الجماعَةُ فِعْلاً وقوْلاً وأوْسَعَتْهُ حَفاوَةًترحاب وطَوْلاً

ثمّ سُئِلَ منْ أيّ الشّعوبِالقبائل نِجارُهُنسبه وفي أيّ الشِّعابِالطرق في الجبال وِجارُهُ؟

فقال:

غسّانُ أُسرَتيَ الصّميمَهْأصله

وسُروجُ تُرْبَتي القَديمَهْ

فالبَيتُ مثلُ الشّمْسِ إشْ

راقاً ومنزِلَةً جسيمَهْ

والرّبْعُ كالفِرْدَوْسِ مطْ

يَبَةً ومَنْزَهَةً وقيمَهْ

واهاً لعيْشٍ كانَ لي

فيها ولذّآتٍ عَميمَهْوفيرة

أيّامَ أسْحَبُ مُطْرَفيثوبي

في روضِها ماضي العَزيمَهْ

أخْتالُ في بُردِ الشّبا

بِ وأجْتَلي النِّعَمَ الوَسيمَهْ

لا أتّقي نُوَبَ الزّما

نِ ولا حَوادِثَهُ المُليمَهْ

فلوَ انّ كرْباً مُتْلِفٌ

لَتَلِفْتُ منْ كُرَبي المُقيمَهْ

أو يُفْتَدَى عيْشٌ مضى

لفدَتْهُ مُهجَتيَ الكَريمَهْ

فالموْتُ خيرٌ للفتى

منْ عيشِهِ عيْشَ البَهيمَهْ

تقْتادُهُ بُرَةُ الصَّغا

رِ الى العظيمَةِداهية والهضيمَهْ

ويرَى السّباعَ تَنوشُها

أيْدي الضّباعِ المُستَضيمَهْالمذللة

والذّئبُ للأيّامِ لوْ

لا شُؤمُها لمْ تنْبُ شيمَهْطبيعة

ولوِ استَقامَتْ كانتِ

الأحوالُ فيها مُستَقيمَهْ

ثمّ إنّ خبَرَه نَما الى الوالي فمَلأ فاهُ باللآلي وسامَهُ أن ينضَويَ الى أحشائِهِخاصته ويَليَ ديوانَ إنْشائِهِ فأحْسَبَهُ الحِباءُالعطاء وظلَفَهُ عنِ الوِلايَةِ الإباءُأطراف القصب

قال الراوي: وكُنتُ عرَفْتُ عُودَ شجَرَتِه قبلَ إيناعِ ثمرَتِهِ وكِدْتُ أنبّهُ على عُلوّ قدْرِهِ قبلَ استِنارَةِ بدْرِهِصُرّة مال

فأوْحى إليّ بإيماضِ جفْنِهِ أن لا أجرِّدَ عضْبَهُحده منْ جفْنِهِ

فلمّا خرَجَ بَطينَ الخُرْجِ وفصَلَ فائِزاً بالفُلْجِ شيّعْتُهُ قاضِياً حقّ الرّعايَةِحفظ الصحبة ولاحِياً لهُ على رفْضِترك الوِلايَةِ فأعْرَضَ مُتَبَسّماً

وأنْشَدَ مترنّماًمطربا:

لَجَوْبُاجتياز البِلادِ معَ المَتْرَبَهْالشدة

أحَبُّ إليّ منَ المرْتَبَهْالمنزلة الرفيعة

لأنّ الوُلاةَ لهُمْ نَبوَةٌارتفاع وقلة ثبات

ومعْتَبَةٌ يا لَهاتعجب مَعْتَبَهْسخط

ومافيهمِ مَنْ يرُبُّيصلح ويقوي الصّنيعَالفعل الجميل

ولا مَنْ يُشيِّدُيرفع ويتم ما رتّبَهْبناه وهيأه

فلا يخدَعنْكَ لَموعُبريق السّرابِماء كاذب

ولا تأتِ أمْراً إذا ما اشْتبَهْأشكل

فكَمْ حالِمٍ سرّهُ حُلْمُهُ

وأدرَكَهُ الرّوْعُالفزع لمّا انْتبَهْ