← المقامات
المقامة الخامسة

المقامة الكوفية

١٠ دقائق

حَكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: سمَرْتُذهب نومي بالكوفَةِ في ليلَةٍ أديمُهاوجه السماء ذو لوْنَينِ وقمرُها كتَعْويذٍ من لُجَينٍفضة معَ رُفقَةٍ غُذواربّوا بلِبانِ البَيانِ وسحَبوا على سَحْبانَجرّ ذيْلَ النّسْيانِ ما فيهِمْ إلا مَنْ يُحْفَظُ عنْهُ ولا يُتَحفَّظُيتحذّر منْهُ ويَميلُ الرّفيقُالصاحب إليهِ ولا يَميلُ عنهُ فاستَهْوانا السّمَرُالحديث الى أنْ غرَبَ القمَرُ وغلَبَ السّهَرُ

فلمّا روّقَضرب رواقه الليْلُ البَهيمُالخالص السواد ولمْ يبْقَ إلا التّهويمُالنعاس سمِعْنا منَ البابِ نبْأةَصوت خفيف مُستَنْبِحٍمستيقظ

ثمّ تلَتْهاتبعتها صكّةُدفعة مُستفْتِحٍطالب فتح

فقُلنا: منِ المُلِمّالزائر في اللّيلِ المُدْلَهِمّشديد السواد؟

فقال:

يا أهلَ ذا المَغْنى وُقيتُمْ شَرّا

ولا لَقيتُمْ ما بَقيتُمْ ضُرّا

قدْ دفَعُ الليلُ الذي اكْفَهَرّا

الى ذَراكُمُ شَعِثاً مُغْبَرّا

أخا سِفارٍ طالَ واسْبَطَرّا

حتى انْثَنى مُحْقَوْقِفاً مُصْفَرّا

مثلَ هِلالِ الأُفْقِ حينَ افْتَرّا

وقد عَرا فِناءكُمْ مُعْتَرّا

وأمَّكُمْ دونَ الأنام طُرّا

يبْغي قِرًىيضيف منكُمْ ومُستَقَرّا

فَدونَكُمْ ضَيْفاً قَنوعاً حُرّا

يرْضَى بما احْلَوْلى وما أمَرّا

وينثَني عنْكُمْ ينُثّ البِرّا

قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا خلَبَناخدعنا بعُذوبَةِ نُطقِهِ وعلِمْنا ما وَراء برْقِه ابتَدَرْناقصدنا فتْحَ البابِ وتلَقّيناهُ بالتّرْحابِ

وقُلْنا للغُلامِ: هيّاسق سق هَيّا

وهلُمّ ما تَهيّاتيسّر! فقالَ الضّيفُ: والذي أحَلّني ذَراكُمْ لا تلَمّظْتُتذوقت بقِراكُمْ أو تَضْمَنوا لي أنْ لا تتّخِذوني كَلاًّثقيلا ولا تجَشّمواتكلفوا لأجْلي أكْلاًطعاما فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِأضعفت الآكِلَ وحرَمَتْهُ مآكِلَ وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَالتكليف التّكليفَ وآذَى المُضيفَصاحب المنزل خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ ويُفْضي الى الأسْقامِ

وما قيلَ في المثَلِ الذي سارَ سائِرُهُانتشر الحديث: خيرُ العَشاء سَوافِرُهُمبكرها إلا ليُعَجَّلَ التّعَشّيأكل العشاء ويُجْتَنَبَ أكْلُ اللّيلِ الذي يُعْشييورث العشا

اللهُمّ إلاّ أن تقِدَ نارُ الجوعِ وتَحولَ دونَ الهُجوعِالنوم

قال: فكأنّهُ اطّلعَ على إرادَتِنا فرَمى عنْ قوْسِ عَقيدَتِنا لا جَرَمبالتأكيد أنّا آنَسْناهُجعلناه يألفنا بالتِزامِ الشّرْطِ وأثْنَينا على خُلُقِهِ السّبْطِلين الخلق

ولمّا أحْضَرَ الغُلامُ ما راجَمطلوب وأذْكى بينَنا السّراجَ

تأمّلتُهُ فإذا هوَ أبو زيْدٍ فقُلتُ لصَحْبي: ليُهْنَأكُمُ الضّيفُ الوارِدُ بلِ المَغْنَمُ البارِدُغنيمة هنيئة فإنْ يكُنْ أفَلَغاب قمَرُ الشِّعْرَى فقدْ طلَعَ قمَرُ الشِّعْرِ أوِ استَسَرّغاب وخفي بدْرُ النّثْرَةِ فقدْ تبلّجُظهر وأضاء بدْرُ النّثْرِ فسرَتْسارت حُمَيّاشدة المسَرّةِ فيهِمْ وطارَتِ السِّنَةُنعاس عنْ مآقِيهِمْعيونهم ورَفَضوا الدَّعَةَالتي كانوا نَوَوْها وثابُوا الى نشْرِ الفُكاهَةِمزاح بعْدَما طوَوْها وأبو زيْدٍ مُكِبٌّمنحنٍ على إعْمالِ يدَيْهِاستعمالها

حتى إذا استَرْفَعَرُفِعَ ما لدَيْهِ

قلتُ لهُ: أطْرِفْناحدثنا بغَريبَةٍ منْ غَرائِبِنوادر أسْمارِكَأحاديثك أو عَجيبَةٍآية منْ عَجائِبِ أسفارِكَ

فقال: لقدْ بلَوْتُاختبرت منَ العَجائِبِ ما لمْ يرَهُ الرّاؤونَ ولا رواهُ الرّاوونَ وإنّ منْ أعجبِها ما عايَنْتُهُشاهدته الليلَةَ قُبَيلَ انْتِيابِكُمْقصدكم ومَصيري الى بابِكُمْ فاستَخْبَرْناهُ عَنْ طُرفَةِ مَرآهُرؤيته في مسرَحِموضع السير مسْراهُسيره

فقال: إنّ مَراميَمقاصد الغُربَةِ لفَظَتْني الى هذِهِ التُرْبَةِالأرض وأنا ذو مَجاعَةٍجوع وبوسَى وجِرابٍ كفؤادِ أمّ موسَى فنهَضْتُ حينَ سَجاهدأ الدُجىالظلام على ما بي منَ الوَجَىالتعب لأرْتادَ مُضيفاًمنزلا أو أقْتادَأحضر رَغيفاً فساقَني حادِيقائد السّغَبِالجوع والقضاءُ المُكنّىالمُلقّب أبا العجَبِ الى أنْ وقفْتُ على بابِ دارٍ

فقلْتُ على بِدارٍبسرعة:

حُييتُمُطابت حياتكم يا أهلَ هذا المنزِلِ

وعِشتُمُ في خفضِلين عيشٍ خضِلِناعم

ما عندكُمْ لابنِ سَبيلٍ مُرمِلِلا زاد له

نِضْوِهزيل سُرًىمشى الليل خابِطِيمشي على غير هداية ليْلٍ ألْيَلِشديد السواد

جَوِيفاسد الجوف الحَشىداخل البطن على الطّوىالجوع مُشتَمِلِمنضم

ما ذاقَ مذْ يومانِ طعمَ مأكَلِ

ولا لهُ في أرضِكُمْ منْ مَوْئِلِملجأ

وقد دَجاألبس جُنْحُسواد الظّلامِ المُسبِلِالمطبق

وهْوَ منَ الحَيرَةِ في تملْمُلِتقلّب وتوجّع

فهلْ بهَذا الرَّبعِالمنزل عذبُ المنهَلِموضع الماء

يقول لي: ألْقِ عَصاكَ وادخُلِ

وابْشَرْ ببِشْرٍ وقِرًى مُعجَّلِ

قال: فبرزَ إليّ جَوْذَرٌظبي عليهِ شَوْذَرٌثوب قصير

وقال:

وحُرمَةِ الشّيخِ الذي سنّابتدأ القِرَى

وأسّسَ المحْجوجَ في أُمّ القُرَىمكّة

ما عِندَنا لِطارِقٍ إذا عَرا

سوى الحديثِ والمُناخِ في الذَّرَى

وكيفَ يقْرييضيف مَنْ نَفى عنه الكَرى

طوًى برَىأزال اللحم عنها أعظُمَهُ لمّا انْبَرى

فما تَرى فيما ذكرتُ ما تَرى

فقُلتُ: ما أصْنَعُ بمنزِلٍ قَفرٍخالٍ ومُنزِلٍ حِلفِصاحب فَقْرِ؟ ولكِنْ يا فَتى ما اسمُكَ فقدْ فتَنَني فهْمُكَ؟

فقال: اسمي زيْدٌ ومَنشإي فَيْدٌ ووَردتُ هذِهِ المَدَرَةَمدرسة أمْسِ معَ أخْوالي منْ بَني عبْسٍ

فقلتُ لهُ: زِدْني إيضاحاً عِشْتَ

ونُعِشْتَ! فقال: أخبرَتْني أمّي بَرّةُمكرّمة وهيَ كاسْمِها برّةٌ أنّها نكَحَتْتزوّجت عامَ الغارَةِهجوم العدو بماوانَ رجُلاً من سَراةِسادة سَروجَ وغسّانَ

فلمّا آنَسَأبصر منْها الإثْقالامتلاء بالولد وكان باقِعةًداهية على ما يُقال ظعَنَ عنْها سِرّاً وهَلُمّ جَرّاً فما يُعْرَفُ أحَيٌ هوَ فيُتوَقّعَينتظر أم أودِعَأدخل اللحد اللّحْدَ البَلْقَعَاللحد الخالي؟

قال أبو زيْدٍ: فعلِمْتُ بصِحّةِ العَلاماتِ أنّه ولَدي

وصدَفَني عنِ التّعرُّفِتعريفه إليْهِ صَفْرُ يديفراغ اليد ففصَلْتُ عنْهُ بكَبِدٍ مرْضوضَةٍمكسورة ودُموعٍ مفْضوضةٍمفترقة فهلْ سمِعْتُمْ يا أولي الألْبابِأهل العقول بأعْجَبَ منْ هذا العُجابِمبالغة؟

فقُلْنا: لا ومَنْ عندَهُ عِلمُ الكِتابِ

فقال: أثْبِتوها في عَجائِبِ الاتّفاقِ وخلِّدوها بُطونَ الأوْراقِ فما سُيّرَ مثلُها في الآفاقِ فأحْضَرْنا الدّواةَ وأساوِدَها ورَقَشْنا الحِكايَةَ على ما سرَدَهاحكاها

ثمّ اسْتَبْطنّاهُسألناه عنْ مُرْتآهُرأيه في استِضْمام فَتاهُ

فقالَ: إذا ثَقُلَ رُدْنيكمي خَفّ عليّ أنْ أكْفُلَاضم ابْني

فقُلنا: إنْ كان يكْفيكَ نِصابٌعشرون دينارا منَ المالِ ألّفناهُجمعناه لكَ في الحالِ

فقالَ: وكيْفَ لا يُقْنِعُنييكفيني نِصابٌ وهلْ يحتَقِرُ قدْرَهُ إلا مُصابٌمجنون؟

قالَ الرّاوي: فالتَزَمَ منْهُ كلٌ منّا قِسطاًنصيبا وكتبَ له بِهِ قِطّاًكتابا فشَكرَ عندَ ذلِك الصُنْعَ واستَنْفَدَ في الثّناء الوُسْعَ

حتى إنّنا اسْتَطلْنااستكثرنا القوْلَ واستَقلَلْنا الطَّوْلَالإنعام

ثمّ إنّهُ نشَرَ منْ وشْيِ السّمَرِ ما أزْرَى بالحِبَرِ الى أنْ أظَلّ التّنْويرُ وجَشَرَ الصبْحُ المُنيرُ فقضَيْناها ليلَةً غابَتْ شوائِبُهاالمكدرات الى أنْ شابَتْ ذَوائِبُها وكمُلَ سُعودُها الى أنِ انْفطَرَطلع عودُهابياض صبحها

ولمّا ذَرّ قرْنُ الغَزالَةِأسماء الشمس طمرَوثب طُمورَ الغَزالَةِ

وقال: انْهَضْقم بِنا لنَقبِضَ الصِّباتِ ونستَنِضَّ الإحالاتِالديون فقَدِ اسْتَطارَتْتوسعت صُدوعُشقوق كَبِدي منَ الحَنينِالشوق الى ولَدِي فوَصَلتُ جَناحَهُ

حتى سَنّيتُيسّرت نَجاحَهُقضاء حاجة فحينَ أحْرَزَحصّل العَينَ في صرّتِهخرقة فرَقَتْ أساريرُطرق الوجه مسرّتِهِسروره

وقال لي: جُزيتَ خَيراً عنْ خُطامشي قدَمَيكَ

واللهُ خَليفَتي علَيْكَ

فقُلتُ: أُريدُ أن أتّبِعَكَ لأشاهِدَ ولَدَك النّجيبَجيّد العقل وأُنافِثَهُ لكَيْ يُجيبَ فنظَرَ إليّ نظْرَةَ الخادِعِ الى المَخْدوعِ وضحِكَ حتى تغَرْغَرَتْامتلأت مُقلَتاهُ بالدّموعِ

وأنشَدَ:

يا مَنْ يظَنّى السّرابَ ماءً

لمّا روَيْتُ الذي روَيْتُ

ما خِلْتُحسبت أنْ يستَسِرّيخفي مَكريخداعي

وأنْ يُخيلَيلبّس ويشبّه الذي عنَيْتُ

واللهِ ما بَرّةٌ بعِرْسي

ولا ليَ ابنٌ بِهِ اكتَنَيْتُ

وإنّما لي فُنونُأنواع سِحرٍ

أبدَعْتُأحدثتها فيها وما اقتَدَيتُ

لمْ يحْكِهايحدّث بها الأصمَعيُّ فيما

حكَى ولا حاكَهانسجها الكُمَيتُ

تَخِذْتُها وُصلَةً الى ما

تَجْنيهِ كَفّي متى اشتَهَيْتُ

ولوْ تَعافَيتُها لحالَتْ

حالي ولمْ أحْوِ ما حوَيْتُ

فمهّدِ العُذْرَ أو فسامِحْ

إنْ كُنتُ أجرَمْتُ أو جنَيْتُ

ثمّ إنّه ودّعني ومَضى وأوْدَعَ قلْبي جمْرَ الغَضا