← المقامات
المقامة الرابعة

المقامة الدمياطية

١٠ دقائق

أخبَرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: ظعَنْتُرحلت الى دُمْياطَ عامَ هِياطٍصياح ومِياطٍ وأنا يومئِذٍ مرْموقُمنظور إليه الرَّخاء موموقُمحبوب الإخاء أسْحَبُ مَطارِفَأثواب فاخرة الثّراء وأجْتَلي معارِفَوجوه السّرّاء فرافَقْتُ صَحْباً قد شَقّوا عَصا الشِّقاقِالخلاف وارْتَضَعوا أفاوِيقَقمم الوِفاقِ

حتى لاحُوا كأسْنانِ المُشْطِ في الاستِواء وكالنّفْسِ الواحِدَةِ في التِئامِ الأهْواء

وكُنّا مع ذلِك نسيرُ النّجاء ولا نرْحَلُ إلا كُلّ هَوْجاءسريعة وإذا نزَلْنا منزِلاً أو وَردْنا مَنْهَلاً اخْتلَسْناخطفنا اللُّبْثَالبقاء ولمْ نُطِلِ المُكْثَ فعنّ لَنا إعْمالُ الرِّكابِ في ليلةٍ فَتيّةِشابة الشّبابِ غُدافيّةِليّنة الإهابِ فأسرَيْنا الى أن نَضاأفنى اللّيلُ شَبابَهُ وسلَتَ الصّبحُ خِضابَهُلونه فحينَ ملِلْنا السُرَى ومِلْنا الى الكَرىالنعاس صادَفْنا أرْضاً مُخضَلّةَ الرُّبا مُعتلّةَ الصَّبا فتخيّرْناها مُناخاً للعِيسِ ومَحطّاً للتّعريسِ

فلمّا حلّها الخَليطُ وهَدا بها الأطيطُ والغَطيطُ سمِعْتُ صَيّتاً منَ الرّجالِ

يقولُ لسَميرِه في الرّحالِ: كيفَ حُكْمُ سيرَتِكَ معَ جيلِكَ وجيرتِكَ؟

فقال:

أرْعَى الجارَ ولوْ جارَ وأبذُلُ الوِصالَ لمَنْ صالَ وأحْتَمِلُ الخَليطَ ولوْ أبْدى التّخليطَ وأودّ الحَميمَالصديق المخلص ولو جرّعَني الحَميمَ وأفضّلُ الشّفيقَالمحب على الشّقيقِالأخ وأفي للعَشيرِ وإنْ لمْ يُكافئْ بالعَشيرِ وأستَقِلّ الجَزيلَالكثير للنّزيلِ وأغمُرُ الزّميلَالرديف بالجميلِ وأنزّلُ سَميريجليس الليل منزِلَةَ أميريالحاكم علي وأُحِلّ أنيسيالمؤنس محَلّ رَئيسيأفضلهم وأعزهم وأُودِعُ مَعارِفيمن يعرفني عَوارِفيهباتي وأُولي مُرافِقيمصاحبي مَرافقي وأُلينُ مَقالي للقالي وأُديم تَسْآليكثرة سؤالي عنِظهر السّاليالناسي وأرْضى منَ الوَفاء باللَّفاء وأقْنَعُ منَ الَجزاءالمكافأة بأقَلّ الأجزاء ولا أتظلّمُ حينَ أُظلَمُ ولا أنْقَمُ ولو لدَغَني الأرقَمُحية

فقال لهُ صاحبُه: ويْكَتعجب يا بُنيّ إنّما يُضَنّيبخل بالضّنينِ

ويُنافَسُ في الثّمينِ لكِنْ أنا لا آتي غيرَ المُؤاتي ولا أسِمْ العاتيالمتكبر بمُراعاتي ولا أُصافيأخلص ودّي مَنْ يأبىيمنع إنْصافيإعطاء الحق ولا أُواخيأصاحب مَنْ يُلْغييترك الأواخيأسباب الود ولا أُماليأعاون مَنْ يُخيّبُ آمالي ولا أُبالي بمَنْ صرَمَ حِباليقطع وصالي ولا أُداريأسوس صحبته مَنْ جهِلَ مِقداري ولا أُعطي زِمامي مَنْ يُخْفِرُ ذِماميينق عهدي ولا أبْذُلُ وِداديمودتي لأضْدادي ولا أدَعُ إيعاديتهديدي وتخويفي للمُعادي ولا أغرِسُ الأياديالنّعم في أرضِ الأعادي ولا أسمَحُ بمُواساتي لمَنْ يفْرَحُ بمَساءاتي ولا أرى التِفاتينظري وانعطافي الى مَن يشْمَتُيسرّ بوَفاتي ولا أخُصّأفرد بحِبائي إلا أحبّائيجمع حبيب ولا أستَطِبّأطلب طبّه لدائي غيرَ أوِدّائي ولا أمَلِّكُ خُلّتيصداقتي مَنْ لا يسُدّ خَلّتييصلح فقري ولا أصَفّي نيّتي لمَنْ يتمنّي منيّتي ولا أُخْلِصُأجعله خالصا دُعائي لمَنْ لا يُفعِمُيملأ وِعائي ولا أُفرِغُ ثَنائيأصبّ مدحي على مَنْ يفْرغُ إنائي ومنْ حكمَ بأنْ أبذُلَ وتخْزُنَ وألينَ وتخْشُنَ وأذوبَ وتجْمُدَ وأذْكو وتخْمُدَ؟ لا واللهِ بلْ نتَوازَنُ في المَقالِ وزْنَ المِثْقالِالصنجة التي توزن ونَتحاذَى في الفِعالِاسم للفعل حذْوَمتشابهة النّعالِ

حتى نأَنَ التّغابُنَ ونُكْفى التّضاغُنَالعداوة وإلا فلِمَ أعُلّكَأسقيك وتُعلّني وأُقلّكَ وتستَقلّني وأجتَرِحُ لكَ وتجرَحُني وأسْرَحُ إليْكَ وتُسرّحُني؟ وكيف يُجْتَلَبُ إنْصافٌ بضَيْمٍ وأنّى تُشرِقُ شمْسٌ معَ غيْمٍ؟ ومتى أُصْحِبَ وُدٌ بعَسْفٍبجور وأيّ حُرّ رضيَ بخُطّةِ خسْفٍ؟

وللهِ أبوكَ حيثُ يقول:

جزَيْتُ مَنْ أعلَقَ بي وُدَّهُ

جَزاءَ مَنْ يبْني على أُسّهِ

وكِلْتُ للخِلّ كما كالَ لي

على وَفاء الكَيْلِ أو بخْسِهِ

ولمْ أُخَسِّرْهُ وشَرُّ الوَرى

مَنْ يوْمُهُ أخْسَرُ منْ أمْسِهِ

وكلُّ منْ يطلُبُ عِندي جَنى

فما لهُ إلا جَنى غرْسِهِ

لا أبتَغي الغَبْنَ ولا أنْثَني

بصَفقَةِ المغْبونِ في حِسّهِفهمه

ولسْتُ بالموجِبِ حقاً لمَنْ

لا يوجِبُ الحقَّ على نفسِهِ

ورُبّ مَذاقِخلّاط غير مخلص الهَوى خالَني

أصْدُقُهُ الوُدّ على لَبْسِهِتخليطه

وما دَرى منْ جهلِهِ أنّني

أقْضيأزيل غَريميصاحب الدين الدّينَ منْ جِنسِه

فاهجُرْ منِ استَغباكَاستجهلك هجرَ القِلى

وهَبْهُ كالمَلْحودِ في رمْسِهِ

والبَسْ لمَنْ في وصْلِهِ لُبسَةٌ

لباسَ مَنْ يُرْغَبُ عنْ أُنسِهِ

ولا تُرَجِّ الوُدَّ ممّنْ يرَى

أنّك مُحْتاجٌ الى فَلْسِهِ

قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا وعَيتُ ما دارَ بينهُما تُقْتُ الى أن أعرِفَ عينَهُما

فلمّا لاحَ ابنُ ذُكاء وألحَفَ الجوَّ الضّياءُ غدَوْتُ قبلَ استِقلالِ الرّكابِ ولا اغتِداءَ الغُرابِ وجعلْتُ أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَرِالجَليّ الى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي ومُعْتَزَى رِوايَتي فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما راثٍ لرَثاثَتِهِما وأبَحْتُهُما التحَوّلَ الى رحْلي والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما الى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى

فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِوعاء دراهمه وانجِلاءَ بُوسِهِ

قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ ودرَني قد رسَخَغاب أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّأغتسل وأقضيَ هذا المُهِمَّالوسخ؟

فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ

والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ

ثمّ استَنّشبّه استِنانَتقليد الجَوادِ في المِضْمارِميدان السباق

وقال لابْنِهِ: بَدارِإسراع بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّخدع وطلَبَ المفَرّالفرار فلبِثْنا نرقُبُهُنراقبه رِقبَةَانتظار الأعْيادِ ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ الى أنْ هَرِمَأتعبه النّهارُ وكادَ جُرُفُحافة الوادي اليومِ ينْهارُيسقط

فلمّا طالَ أمَدُمدة الانتِظارِترقب ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِالبالية

قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنابلغنا النهاية في المُهْلَةِالتأجيل وتمادَيْنا في الرّحلَةِالسفر الى أنْ أضَعْنافقدنا الزّمانَ وبانَ أنّ الرجُلَ قد مانخان فتأهّبوا للظّعَنِ ولا تَلْوواتأخرتم على خضْراء الدِّمنِآثار الديار ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي وأتحمّلَ لرِحلَتي فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ

على القَتَبِالرّحل:

يا مَنْ غَدا لي ساعِداًذراعا

ومُساعِداً دونَ البَشَرْ

لا تحْسَبَنْ أنّي نأي

تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْبطر وعدم شكر

لكنّني مُذْمنذ لمْ أزَلْ

ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْذهب

قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَلام فأُعجِبوا بخُرافَتِه وتعوّذوا منْ آفَتِه

ثمّ إنّا ظعَنّا ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا