← المقامات
المقامة الثانية عشرة

المقامة الدمشقية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: شخصْتُسافرت منَ العِراقِ الى الغوطَةِ وأنا ذو جُرْدٍ مربوطةٍ وجِدَةٍشدة الشوق مغْبوطَةٍ يُلْهِيني خُلوُّفسحة الذَّرْعِ ويزْدَهيني حُفولُممتلئ الضّرْعِ

فلمّا بلغْتُها بعدَ شقّمشقة النفْسِ وإنْضاء العنْسِ ألفَيتُها كما تصِفُها الألسُنُ وفيها ما تشتَهي الأنفُسُ وتلَذّ الأعيُنُ فشكرْتُ يدَ النّوىالبعد وجرَيْتُ طلَقاً مع الهَوىالرغبة وطفِقْتُ أفُضّأكسر خُتومَأقفال الشّهَواتِ وأجْتَني قُطوفَثمار اللّذّاتِ الى أن شرعَبدأ سفرٌ في الإعْراقِالسفر البعيد وقدِ استفَقْتُ منَ الإغْراقِالزيادة فعادَني عيدٌ منْ تَذْكارِ الوطَنِ والحَنينِ الى العطَنِالمكان المعتاد فقوّضْتُ خِيامَ الغَيبَةِالغياب وأسرَجْتُ جَوادَ الأوبَةِالرجوع

ولمّا تأهّبَتِ الرّفاقُ واستتبّ الاتّفاقُ ألَحْناخفنا منَ المسيرِ دونَ استِصْحابِ الخَفيرِالمجير فرُدْناهُ منْ كلّ قَبيلة وأعْمَلنا في تحصيلِه ألفَ حيلةٍ فأعْوَزَ وِجْدانُه في الأحياءالقبائل، حتى خلنا أنه ليس من الأحياء مخارت لعوزهلفقده عُزومُالجدّ السيّارَةِالرفقة وانْتَدَوْا ببابِ جَيْرونَ للاستِشارَةِ فما زالوا بينَ عَقدٍ وحلٍّ وشزَرٍ وسحْلٍ الى أن نفِدَ التّناجي وقنَطَ الرّاجي وكان حِذَتَهُمْ شخْصٌ مِيسَمُهُ ميسَمُ الشبّانِ ولَبوسُهُ لَبوسُ الرّهبانِ وبيَدِه سُبْحَةُ النّسْوانِ وفي عينِهِ ترجمَةُ النّشوانِ وقد قيّدَ لحظَهُ بالجَمْعِ وأرهَفَ أذُنَهُ لاستِراقِ السّمْعِ

فلمّا أنى انْكِفاؤهُمْ وقد برحَ لهُ خَفاؤهُمْ

قال لهُمْ: يا قومُ ليُفرِخْ كرْبُكُمْ وليَأمَنْ سِرْبُكُمْ

فسأخْفُرُكُمْ بما يسْرو روْعَكُمْ ويبدو طوعَكُمْ

قال الرّاوي: فاستَطْلَعنا منهُ طِلْعَ الخِفارَةِ وأسْنَينا لهُ الجَعالَةَأجرة عنِ السِّفارةِالوساطة فزعَم أنّها كلِماتٌ لُقّنَها في المَنامِ ليحتَرِسَ بها منْ كيْدِمكر الأنامِالناس فجعَلَ بعْضُنا يومِضُيلمع الى بعْضٍ ويقلّبُ طرْفَيْهِ بينَ لحْظٍنظرة وغضٍّ وتبيّنَ لهُ أنّا استَضْعَفنا الخبَرَ واستَشْعَرْنا الخَوَرَالضعف

فقال: ما بالُكُمُ اتّخذْتُمْ جِدّيحظي عبثاً وجعلتُمْ تِبري خَبَثاً؟ ولَطالَما واللهِ جُبْتُقطعت مَخاوِفَ الأقْطارِ وولجْتُ مَقاحِمَمخاطر الأخْطارِ فغَنيتُ بها عنْ مُصاحبَةِ خَفيرٍحارس واستِصْحابِ جَفيرٍحارس

ثمّ إني سأنْفي ما رابَكُمْأزعجكم وأستَسِلُّ الحذَرَ الذي نابَكُمْقصدكم بأنْ أُوافِقَكُمْأساعدكم في البَداوةِ وأرافِقَكُمْ في السّماوَةِمفازة فإنْ صدقَكُمْ وعْدي فأجِدّوا سعْديحظي وأسْعِدوا جِدّي وإنْ كذبَكمْ فَمي فمزّقوا أدَمي وأرِيقوا دَمي قال

الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فأُلْهِمْنا تصْديقَ رؤياهُ وتحْقيقَ ما رَواهُ فنزَعْنا عن مُجادَلَتِهمخالفته واستَهَمْنا على مُعادلَتِهالركوب وفصَمْنا بقوْلِهِ عُرى الرّبائِثِ وألغَيْنا اتّقاءَالحذر العابِثِاللاعب والعائِثِ

ولمّا عُكِمَتِ الرّحالُ وأزِفَ التّرْحالُ استَنزَلْنا كلِماتِهِ الرّاقيةَ لنجْعَلَها الواقيَةَ الباقيَةَ

فقال: ليقْرأ كُلٌ منكُمْ أمَّ القُرآنِ كلّما أظَلَّ الملَوانِ

ثمّ ليَقُلْ بلِسانٍ خاضعٍ

وصوْتٍ خاشِعٍ: اللهُمّ يا مُحْيي الرُفاتِ ويا دافِعَ الآفاتِ ويا واقيَ المخافاتِ ويا كريمَ المُكافاةِ ويا موئِلَ العُفاةِ ويا وليّ العفْوِ والمُعافاةِ صلّ على محمّدٍ خاتِمِ أنبِيائِكَ ومبلِّغ أنبائِكَ وعلى مصابيحِ أسرتِهرهطه ومفاتيحِ نُصرتِه وأعِذْني منْ نزَغاتِالإفساد الشياطينِ ونَزواتِ السّلاطينِ وإعْناتِ الباغينَ ومُعاناةِ الطّاغينَ ومُعاداةِ العادينَ وعُدْوانِ المُعادينَ وغلَبِ الغالِبينَ وسلَبِ السّالِبينَ وحِيَلِ المُحْتالينَ وغِيَلِ المُغْتالينَ وأجِرْني اللهُمّ منْ جَوْرِ المُجاوِرينَ ومُجاوَرَةِ الجائِرينَ وكُفّ عني أكُفّ الضّائِمِينَ وأخرِجْني منْ ظُلُماتِ الظّالمينَ وأدْخِلْني برحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحينَ اللهُمّ حُطْني في تُرْبَتيبلدتي وغُرْبَتي وغيْبَتي وأوبَتي ونُجْعَتي ورجْعَتي وتصرُّفي ومُنصَرَفي وتقلّبي ومُنقلَبي واحْفَظْني في نفْسي ونفائِسي وعِرْضي وعرَضي وعدَديآلاتي وعُدَدي وسكَني ومسْكَني وحَوْلي وحالي وملي ومآلي ولا تُلحِقْ بي تغييراً ولا تُسلّطْ عليّ مُغيراً واجْعَلْ لي منْ لدُنْكَ سُلطاناً نَصيراً اللهُمّ احرُسْني بعينِك

وعونِكَ واخْصُصْني بأمنِكَ ومنّكَ وتولّني باختِيارِكَ وخيرِكَ ولا تكِلْني الى كِلاءَةِ غيرِك

وهَبْ لي عافيَةً غيرَ عافِيَةٍ وارْزُقْني رَفاهيَةً غيرَ واهيَةٍ واكْفِني مَخاشيَما يخشى ويخاف اللأوَاءالشدّة واكْنُفْني بغواشي الآلاءالنعم ولا تُظْفِرْ بي أظفارَ الأعْداء إنّك سميعُ الدُعاء

ثمّ أطرَقَ لا يُديرُ لحْظاً ولا يُحيرُ لفْظاً

حتى قُلْنا: قد أبلَسَتْهُ خشيةٌ أو أخرَسَتْهُ غشيَةٌ

ثمّ أقنعَ رأسَهُ وصعّدَ أنفاسَهُ

وقال: أُقسِمُ بالسّماء ذاتِ الأبراجِمنازل القمر والأرضِ ذاتِ الفِجاجِالمسالك والماءِ الثَّجّاجِالسيّال والسّراجِ الوهّاجِالمتلألئ والبحْرِ العجّاجِالغبار والهواءِ والعَجاجِ إنّها لَمِنْ أيمَنِ العُوَذِالرّقى وأغْنى عنكُمْ منْ لابِسي الخُوَذِ مَنْ درَسها عندَ ابتِسامِ الفلَقِ لم يُشفِقْيخاف منْ خطْبٍأمر شديد الى الشّفَقِحمرة الغروب ومنْ ناجَىتكلّم سرّا بها طَليعَةَ الغسَقِ أمِنَ ليلَتَهُ منَ السّرَقِ

قال: فتلقّنّاها حتى أتْقَنّاها وتدارَسْناها لكيْ لا ننْساها

ثمّ سِرْنا نُزْجينسوق الحَمولاتِالإبل بالدّعَواتِ لا بالحُداةِ ونحْمي الحُمولاتِ بالكَلِماتِ لا بالكُماةِ وصاحِبُنا يتعَهّدُنايتفقّدنا بالعَشيّ والغداةِ ولا يستَنْجِزُ منّا العِداتِ

حتى إذا عايَنّا أطْلالَآثار عانَةَ

قال لنا: الإعانَةَ الإعانةَ! فأحْضَرْناهُ المَعْلومَالظاهر والمكتومَ وأرَيْناهُ المعْكومَالمشدود والمخْتومَ

وقُلْنا لهُ: اقْضِ ما أنتَ قاضٍ فما تجِدُ فينا غيرَ راضٍطائع فما استَخفّهُاستحقر سِوى الخِفّالخفيف والزَّينِ ولا حَلِيَزينة بعينِهِ غيرُ الحَلْيِ والعَينِ فاحتَمَل منهُما وِقْرَهُحمله وناءَ بما يسُدّ فَقْرَهُ

ثمّ خالَسَناسارقنا مُخالَسَةَ الطّرّارِقاطع الجيوب وانْصلَتَ منّا انصِلاتَ الفَرّارِسريع السيلان فأوحَشَنا فِراقُهُ وأدْهَشَنا امتِراقُهُخروج مسرع ولمْ نزَلْ ننْشُدُهُنطلبه بكلّ نادٍ ونستَخْبِرُ عنهُ كلَّ مُغوٍ وهادٍمضلّ ومرشد

الى أن قيل: إنّه مُذْ دخَل عانَةَ ما زايلَفارق الحانةَبيت الخمار فأغْراني خُبْثُ هذا القولِ بسَبكِهِ والانسِلاكِ فيما لستُ منْ سِلْكِهشكله فادّلَجْتُ الى الدّسكَرَةِبيت الخمار في هيئةٍ منكّرَةٍ

فإذا الشيخُ في حُلّةٍ ممصّرَةٍ بينَ دِنانٍ ومِعصَرَةٍ وحولَهُ سُقاةٌساقون تبهَرُتغلب العقول وشُموعٌ تزْهَرُتضيء وآسٌ وعبْهَرٌ ومِزْمارٌ ومِزْهَرٌ وهوَ تارةً يستَبْزِلُ الدِّنانَ وطَوْراً يستَنطِقُ العِيدانَ ودَفعةً يستنشِقُيشم الرَّيْحانَ وأخرَى يغازِلُيلاعبة الغِزْلانَ

فلمّا عثرْتُاطلعت على لَبْسِهِتخليطه وتفاوُتِ يومِهِ منْ أمْسِه

قلتُ: أوْلى لكَكلمة تهديد يا ملْعونُ أأُنسيتَ يومَ جَيْرونَ؟ فضحِكَ مُستَغرِباً

ثم أنشدَ مُطَرِّباً: بْ لي عافيَةً غيرَ عافِيَةٍ وارْزُقْني رَفاهيَةً غيرَ واهيَةٍ واكْفِني مَخاشيَ اللأوَاء واكْنُفْني بغواشي الآلاءالنعم ولا تُظْفِرْ بي أظفارَ الأعْداء إنّك سميعُ الدُعاء

ثمّ أطرَقَ لا يُديرُ لحْظاً ولا يُحيرُ لفْظاً

حتى قُلْنا: قد أبلَسَتْهُ خشيةٌ أو أخرَسَتْهُ غشيَةٌ

ثمّ أقنعَ رأسَهُ وصعّدَ أنفاسَهُ

وقال: أُقسِمُ بالسّماء ذاتِ الأبراجِ والأرضِ ذاتِ الفِجاجِ والماءِ الثَّجّاجِ والسّراجِ الوهّاجِ والبحْرِ العجّاجِ والهواءِ والعَجاجِ إنّها لَمِنْ أيمَنِ العُوَذِ وأغْنى عنكُمْ منْ لابِسي الخُوَذِ مَنْ درَسها عندَ ابتِسامِ الفلَقِ لم يُشفِقْ منْ خطْبٍ الى الشّفَقِ ومنْ ناجَى بها طَليعَةَ الغسَقِ أمِنَ ليلَتَهُ منَ السّرَقِ

قال: فتلقّنّاها حتى أتْقَنّاها وتدارَسْناها لكيْ لا ننْساها

ثمّ سِرْنا نُزْجي الحَمولاتِ بالدّعَواتِ لا بالحُداةِ ونحْمي الحُمولاتِ بالكَلِماتِ لا بالكُماةِ وصاحِبُنا يتعَهّدُنا بالعَشيّ والغداةِ ولا يستَنْجِزُ منّا العِداتِ

حتى إذا عايَنّا أطْلالَ عانَةَ

قال لنا: الإعانَةَ الإعانةَ! فأحْضَرْناهُ المَعْلومَ والمكتومَ وأرَيْناهُ المعْكومَ والمخْتومَ

وقُلْنا لهُ: اقْضِ ما أنتَ قاضٍ فما تجِدُ فينا غيرَ راضٍ فما استَخفّهُ سِوى الخِفّ والزَّينِ ولا حَلِيَ بعينِهِ غيرُ الحَلْيِ والعَينِ فاحتَمَل منهُما وِقْرَهُ وناءَ بما يسُدّ فَقْرَهُ

ثمّ خالَسَنا مُخالَسَةَ الطّرّارِ

وانْصلَتَ منّا انصِلاتَ الفَرّارِ فأوحَشَنا فِراقُهُ وأدْهَشَنا امتِراقُهُ ولمْ نزَلْ ننْشُدُهُ بكلّ نادٍ ونستَخْبِرُ عنهُ كلَّ مُغوٍ وهادٍ

الى أن قيل: إنّه مُذْ دخَل عانَةَ ما زايلَ الحانةَ فأغْراني خُبْثُ هذا القولِ بسَبكِهِ والانسِلاكِ فيما لستُ منْ سِلْكِه فادّلَجْتُ الى الدّسكَرَةِ في هيئةٍ منكّرَةٍ

فإذا الشيخُ في حُلّةٍ ممصّرَةٍ بينَ دِنانٍ ومِعصَرَةٍ وحولَهُ سُقاةٌ تبهَرُ وشُموعٌ تزْهَرُ وآسٌ وعبْهَرٌ ومِزْمارٌ ومِزْهَرٌ وهوَ تارةً يستَبْزِلُ الدِّنانَ وطَوْراً يستَنطِقُ العِيدانَ ودَفعةً يستنشِقُ الرَّيْحانَ وأخرَى يغازِلُ الغِزْلانَ

فلمّا عثرْتُ على لَبْسِهِ وتفاوُتِ يومِهِ منْ أمْسِه

قلتُ: أوْلى لكَ يا ملْعونُ أأُنسيتَ يومَ جَيْرونَ؟ فضحِكَ مُستَغرِباً

ثم أنشدَ مُطَرِّباً:

لزِمتُ السِّفارَ وجُبتُ القِفارَ

وعِفْتُ النِّفارَ لأجْني الفرَحْ

وخُضتُ السّيولَ ورُضتُ الخيولَ

لجَرّ ذُيولِ الصّبى والمَرَحْ

ومِطتُ الوَقارَ وبعْتُ العَقارَشراب مسكر

لحَسْوِ العُقارِ ورشْفِ القدَحْ

ولولا الطِّماحُارتفاع النظر الى شُربِ راحٍخمر

لما كانَ باحَ فَمي بالمُلَحْ

ولا كان ساقَساقي دَهائيحيلتي الرّفاقَ

لأرضِ العِراقِ بحمْلِ السُّبَحْبحر

فلا تغضَبَنّ ولا تصخَبَنّ

ولا تعتُبَنّتلوم فعُذْري وضَحْظهر

ولا تعجَبَنّ لشيْخٍ أبَنّأقام

بمغْنًى أغَنّكثير الأشجار ودَنٍّ طفَحْامتلأ خمراً

فإنّ المُدامَالخمر تُقوّي العِظامَ

وتَشْفي السَّقامَالمرض وتنْفي التّرَحْالحزن

وأصْفى السّرورِ إذا ما الوَقورُالرصين

أماطَ سُتورَ الحَيا واطّرَحْ

وأحْلى الغَرام إذا المُستهامَشديد الحب

أزالَ اكتِتامَالكتمان الهَوى وافتضَحْ

فبُحْ بهَواكَ وبرّدْ حَشاكَقلبك

فزَنْدُ أساكَحزنك بهِ قدْ قدَحْ

وداوِ الكُلومَالجراح وسلِّ الهُمومَ

ببِنْتِ الكُروم التي تُقترَحْتُعرض

وخُصّ الغَبوقَشرب المساء بساقٍ يسوقُ

بَلاءَ المَشوقِ إذا ما طمَحْتطلع

وشادٍ يُشيدُيتقن غناءه بصوتٍ تَميدُتتحرك

جِبالُ الحديدِ لهُ إنْ صدَحْغنى عالياً

وعاصِ النّصيحَ الذي لا يُبيحُيسمح

وِصالَلقاء الأحبة المليحِالمحبوب إذا ما سمَحْ

وجُلْخوف في المِحالِمستحيل ولوْ بالمُحالِ

ودعْ ما يُقالُ وخُذْ ما صلَحْ

وفارِقْ أباكَرفضك إذا ما أباكَ

ومُدَّ الشّباكَ وصِدْ مَنْ سنَحْظهر

وصافِ الخَليلَ ونافِ البَخيلَ

وأوْلِ الجَميلَ ووالِ المِنَحْالعطايا

ولُذْ بالمَتابِ أمام الذّهابِ

فمَنْ دقّ بابَ كريمٍ فتَحْ

فقلتُ لهُ: بَخٍ بخٍعجب لرِوايتِكَ وأُفٍّ وتُفٍّ لغَوايَتِكَ! فباللهِ منْ أيّ الأعياصِالأصول عِيصُكَ فقدْ أعضَلَنيصعب عَويصُكَصعب أمرك؟

فقال: ما أحبُّ أنْ أُفصحَأبين عنّي

ولكِنْ سأُكَنّي:

أنا أُطروفَةُغريبة الزّما

نِ وأعجوبَةُ الأُمَمْ

وأنا الحُوَّلُذو حيلة الذي احْ

تالَ في العُرْبِ والعجَمْ

غيرَ أنّي ابنُ حاجَةٍ

هاضَهُكسره الدّهرُ فاهتضَمْ

وأبو صِبيَةٍ بدَوْا

مثلَ لحْمٍ على وضَمْخشبة الجزار

وأخو العَيلَةِفقر المُعي

لُ إذا احْتالَ لمْ يُلَمْ

قال الرّاوي: فعرفتُ حينَئِذٍ أنّه أبو زيدٍ ذو الرّيبِ والعيْبِ ومُسوِّدُ وجْهِ الشّيْبِ وساءني عِظَمُ تمرّدِهِ وقُبْحُ تورّدِهِوروده فقلتُ لهُ بلِسانِ الأنَفَةِالعزّة

وإدْلالِ المعرِفَةِ: ألمْ يأنِيحين ويقرب لكَ يا شيخَنا أنْ تُقلِعَ عنِ الخَناالفُحش؟ فتضَجّرَ وزمْجَرَ وتنكّرَ وفكّرَ

ثمّ قال: إنّها ليلَةُ مِراحٍطرب ونشاط لا تَلاحٍمشاتمة ونُهْزَةُ شُرْبِ راحٍ لا كِفاحٍقتال فعَدِّاصرف واترك عمّا بَدا الى أنْ نتَلاقَى غَدا ففارَقْتُه فرَقاًمتفرقة منْ عربَدَتِهسُكْره لا تعلُّقاً بعِدّتِه وبِتُّ ليلَتي لابِساً حِدادَ النّدَمِ على نقْلي خُطَى القدَمِ الى ابنَةِ الكرْمِ لا الكرَمِ وعاهدْتُ اللهَ سُبحانَهُ وتعالى أن لا أحضُر بعدَها حانَةَ نَبّاذٍصانع الخمر ولو أُعطيتُ مُلكَ بغداذٍ وأنْ لا أشهدَ معصَرَةَ الشّرابِ ولو رُدّ عليّ عصْرُزمان الشّبابِ

ثمّ إنّنا رحّلْنا العِيسَالإبل وقتَ التّغليسِأول الفجر وخلّيْنا بينَ الشيّخَينِ أبي زيدٍ وإبليسَ