رَوى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ندَوْتُخرجت بضَواحي الزّوْراءبغداد معَ مشيخَةٍشيوخ منَ الشّعراء لا يعْلَقُ لهُمْ مُبارٍ بغُبارٍ ولا يجْري معهُمْ مُمارٍ في مِضْمارٍ فأفَضْنا في حديثٍ يفضَحُ الأزهارَ الى أنْ نصَفْنا النّهارَ
فلمّا غاضَ دَرُّ الأفْكارِ وصبَتِ النّفوسُ الى الأوْكارِ لمحْنا عجوزاً تُقبِلُ منَ البُعْدِ وتُحضِرُ إحْضارَ الجُرْدِ وقدِ استَتْلَتْ صِبيَةً أنحَفَ منَ المَغازِلِ وأضعَفَ منَ الجَوازِلِ فما كذّبَتْ إذ رأتْنا أن عرَتْنا
حتى إذا ما حضرَتْنا
قالت: حيّا اللهُ المَعارِفَالوجوه وإنْ لم يكُنّ معارِفَ إعلَموا يا مآلَمرجع الآمِلِ وثِمالَ الأرامِلالمحتاجون أنّي منْ سرَواتِأشراف القَبائِلِ وسَريّاتِ العقائِلِكريمات النسب لمْ يزَلْ أهلي وبعْلي يحُلّونَ الصّدْرَمقدّم المجلس ويَسيرونَ القلْبَقلب العسكر ويُمْطونَ الظّهْرَالإبل بأوقارها ويولونَ اليَدَ
فلمّا أرْدَىأهلك الدّهرُ الأعْضادَالأعوان وفجعَ بالجَوارِحِ الأكْبادَالأعضاء الحيوية وانقلَبَ ظهْراً لبَطْنٍ نَباأعرض النّاظِرُمن ينظر وجَفا الحاجِبُمن يحجب وذهبَتِ العينُالذهب وفُقِدَتِ الرّاحةُالدّعة والسكون وصلَدَ الزَّنْدُطرف عظم الساعد ووَهَنتِ اليَمينُالقوّة وضاعَ اليَسارُ وبانَتِ المَرافِقُالمكاسب ولم يبْقَ لنا ثَنيّةٌفتى ولا نابٌقوة فمُذُ اغْبرّاكتأب العيشُ الأخضَرُالناعم وازْوَرّ المحْبوبُ الأصفَرُهو الدينار اسوَدّ يوْمي الأبيضُ وابيَضّ فَوْديجانب الرأس الأسوَدُ
حتى رثَىأشفق ليَ العدوّ الأزرَقُالروم فحبّذا الموتُ الأحمَرُالشديد! وتِلْوِي مَنْ ترَوْنَ عينُهُشخصه فُرارُهُمعرفته وترْجُمانُهُ اصْفِرارُهُ قُصْوىغاية بِغيَةِطلب أحدِهِمْ ثُرْدَةٌلقمة وقُصارَى أمْنِيّتِه بُردَةٌثوب وكنتُ آلَيتُأقسمت أنْ لا أبذُلَ الحُرّالكثير المروءة إلا للحُرّ ولوْ أني مُتُّ منَ الضُرّالأذى وقد ناجَتْنيأسرّت إليّ القَرونَةُالأقران بأنْ توجَدَ عندَكُمُ المَعونَةُما يستعان به وآذنَتْني فِراسَةُ الحوْباءالحاجة بأنّكُمْ ينابيعُ الحِباءالعطاء فنضّرَ اللهُ امرأً أبَرّ قسَمي وصدّقَ توسُّمينظري وظنّي ونظَرَ إليّ بعَينٍ يُقذيهاتؤذيها الجُمودُالفتور ويُقذّيها الجودُ
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فهِمْنا لبَراعَةِ عِبارَتِها ومُلَحِ استِعارَتِها
وقُلْنا لها: قد فتَنَمحن كلامُكِ فكيفَ إلحامُكِ؟
فقالتْ: أفجّرُ الصّخْرَ
ولا فخْرَ! فقُلْنا: إن جعلْتِنا منْ رُواتِكِ لم نبْخَلْ بمؤاساتِكِ
فقالت: لأُريَنّكُمْ أوّلاً شِعاري
ثمّ لأرَوّيَنّكُمْ أشْعاري فأبرَزَتْ رُدْنَ دِرْعٍ دَريسٍ وبرَزَتْ بِرْزةَ عجوزٍ درْدَبيسٍ
وأنْشأتْ تقول:
أشكو الى اللهِ اشتِكاءَ المريضْ
ريْبَشك الزّمانِ المتعدّي البَغيضْ
يا قومُ إني منْ أُناسٍ غَنُوا
دهراً وجفنُ الدهرِ عنهُمْ غَضيضْ
فخارُهُمْ ليسَ لهُ دافِعٌ
وصيتُهُمْ بينَ الوَرى مُستَفيضْ
كانوا إذا ما نُجعَةٌ أعوزَتْ
في السّنةِ الشّهباء روْضاً أرِيضْ
تُشَبّ للسّارينَ نيرانُهُمْ
ويُطعِمون الضّيفَ لحْماً غَريضْ
ما باتَ جارٌ لهُمُ ساغِباً
ولا لرَوْعٍ قال حالَمنع الجَريضْالريق عند الموت
فغيّضَتْ منهُمْ صُروفُطواري الرّدى
بِحارَ جودٍ لمْ نخَلْها تَغيضْ
وأُودِعَتْ منهُمْ بُطونُ الثّرىتراب
أُسْدَ التّحاميحماية وأُساةَ المَريضْ
فمحْمَلي بعْدَ المطاياإبل المطاظهر
وموطِني بعْدَ اليفاعِ الحضيضْأسفل الجبل
وأفرُخي ما تأتَليتقصّر تشتَكي
بؤساً لهُ في كلّ يومٍ وميضْلمعان
إذا دَعا القانِتُعابد في ليلِهِ
موْلاهُ نادَوْهُ بدمْعٍ يَفيضْيفيض بالدمع
يا رازِقَ النّعّابِفرخ غراب في عُشّهِ
وجابِرَ العظْمِ الكَسيرِ المَهيضْمكسور
أتِحْ لنا اللهُمّ مَنْ عِرضُهُ
منْ دنَسِ الذّمّ نقيٌ رحيضْمغسول
يُطفِئ نارَ الجوعِ عنّا ولوْ
بمَذْقَةٍ منْ حاِرزٍ أو مَخيضْلبن ممزوج
فهلْ فتًى يكشِفُ ما نابَهُمْ
ويغنَمُ الشّكْرَ الطّويلَ العريضْواسع
فوالّذي تعْنوتذل النّواصيشعر الرأس لهُ
يومَ وجوهُ الجمعِ سودٌ وبيضْ
لولاهُمُ لمْ تبْدُ لي صفحَةٌناحية عنق
ولا تصدّيْتُ لنَظْمِ القَريضْشعر
قال الرّاوي: فوَاللهِ لقدْ صدّعتْ بأبياتِها أعْشارَ القُلوبِ واستخْرَجَتْ خَبايا الجُيوبِ
حتى ماحَها مَنْ دينُهُ الامْتِناحُ وارْتاحَ لرِفدِها مَنْ لمْ نخَلْهُ يرْتاحُ
فلمّا افْعَوْعَمَ جَيبُها تِبْراً وأوْلاها كلٌ مِنّا بِرّاً تولّتْ يتْلوها الأصاغِرُ وفُوها بالشّكْرِ فاغرٌ فاشْرَأبّتِ الجَماعةُ بعْدَ مَمَرّها الى سبْرِها لتَبْلوَ مواقِعَ بِرّها فكفَلْتُ لهُمْ باستِنْباطِ السرّ المرْموزِ ونهضْتُ أقْفو أثرَ العَجوزِ
حتى انتهَتْ الى سوقٍ مُغتَصّةٍ بالأنام مُختصّةٍ بالزّحامِ فانغَمَسَتْ في الغُمارِ وامّلَسَتْ منَ الصّبْيَةِ الأغْمارِ
ثمّ عاجَتْ بخُلُوّ بالٍ الى مسجِدٍ خالٍ فأماطَتِ الجِلْبابَ ونضَتِ النّقابَ وأنا ألمَحُها منْ خَصاصِ البابِ وأرقُبُ ما ستُبْدي منَ العُجابِ
فلمّا انسرَتْ أُهبَةُ الخفَرِ رأيتُ مُحَيّا أبي زيدٍ قد سفَرَ فهمَمْتُ أن أهْجُمَ عليْهِ لأعنّفَهُ على ما أجْرى إليْهِ فاسْلَنْقَى اسلِنْقاءَ المتمرّدينَ
ثمّ رفَعَ عَقيرةَ المغرّدينَ
واندفَعَ يُنشِدُ:
يا لَيتَ شِعريدرايتي أدَهْري
أحاطَ عِلْماً بقَدْري
وهلْ دَرَي كُنْهَحقيقته غوْريعمقي
في الخَدْع أم ليس يدْري
كمْ قدْ قمَرْتُ بَنيهِ
بحيلَتي وبمَكْري
وكمْ برزَتْ بعُرْفٍ
عليهِمِ وبِنُكْرِ
أصْطادُ قوْماً بوَعْظٍ
وآخرينَ بشِعْرِ
وأستفِزُّ بخَلٍّ
عقْلاً وعَقْلاً بخَمْرِ
وتارَةً أنا صخْرٌ
وتارَةً أُختُ صخْرِ
ولوْ سلَكْتُ سَبيلاً
مألوفَةً طولَ عُمري
لَخابَ قِدْحي وقَدْحي
ودامَ عُسْري وخُسْري
فقُلْ لمَنْ لامَ هذا
عُذري فدونَكَ عُذري
قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا ظهرْتُ على جليّةِظاهرة أمرِهِدهائه وعجبه وبَديعَةِ أمْرِهِ وما زخْرَفَزيّن في شِعرِه منْ عُذرِهِ علِمْتُ أنّ شيطانَهُ المَريدَالعاري من الخير لا يسمَعُ التّفْنيدَاللوم ولا يفعَلُ إلا ما يُريدُ فثنَيْتُ الى أصحابي عِناني
وأبثَثْتُهُمْ ما أثبتَهُحققه عِيانيمعاينتي فوجَموا لضَيْعَةِ الجوائِزِالعطايا وتعاهَدوا على محرَمَةِمنع وحرمان العَجائِزِ