حدّثَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: لمّا اقتَعدْتُركبت غارِبَسنام الاغتِرابِالابتعاد عن الوطن وأنْأتْني المَترَبَةُالفقر عنِ الأتْرابِالأصحاب المتقاربين في السن طوّحَتْرمت بي طَوائِحُ الزّمَنِنوائبه ومصائبه الى صنْعاء اليَمَنِعاصمة اليمن الآن فدَخَلْتُها خاويَخالي الوِفاضِجمع وفضة، وهي خريطة من أدم-جلد- تشبه الجراب تتخذها الرعاة وأشباههم للزاد اليسير باديَظاهر الإنْفاضِأي نفاذ الزاد لا أمْلِكُ بُلْغَةًما يتبلغ به الشخص من يومه إلى غده ولا أجِدُ في جِرابيكيسي مُضْغَةًلقمة فطَفِقْتُأخذت وجعلت أجوبُقطعها بالمشي طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِالحيران وأجولُ في حَوْماتِهاجهاتها جَوَلانَ الحائِمِالطائر العاطش يدور حول الماء ليشرب ولا يقدر وأرُودُ في مَسارحِمرعى السرح للأنعام لمَحاتينظراتي الخفيفة السريعة ومَسايِحِ غدَواتيجمع غدوة، الذهاب أول النهار ورَوْحاتي كريماً أُخْلِقُأُهِينُ لهُ ديباجَتيدبَّجَ الشَّيءَ : حسّنه وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي أو أديباً تُفَرّجُتزيل رؤيَتُه غُمّتيكربتي وتُرْوي رِوايتُه غُلّتيحرارة عطشي
حتى أدّتْنيأوصلتني خاتِمَةُ المَطافِآخر المشي وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِالمراد هنا: أي حسن السؤال الى نادٍ رَحيبٍمجلس مُحتَوٍمشتمل على زِحامٍازدحام ونَحيبٍ فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِأي وسطه، وأصل الغابة: الشجر الملتف يغيب فيه من يدخله لأسْبُرَأختبر مَجْلَبَةَ الدّمْعِأي السبب الجالب لبكائهم فرأيتُ في بُهْرَةِوسطها الحَلْقَةِ شخْصاً شخْتَدقيق ورقيق الخِلْقَةِالهيئة عليْهِ أُهْبَةُ السّياحَةِأي آلة العبادة، وهي مثل العصا وركوة الماء وثياب الصوف وغير ذلك وله رنّةُصوت ليس بقوي النِّياحَةِندب وهوَ يطْبَعُيصنع ويصوغ، أو يزين بها كلامه الأسْجاعَجمع سجع، وهو الكلام الذي تتوافق أجزاؤه في الوزن بجواهِرِ لفظِهِخيار كلامه ويقْرَعُ الأسْماعَ بزَواجِرِ وعْظِهِموانعه ونواهيه وقدْ أحاطَتْ بهِ أخلاطُأصناف مختلطون الزُّمَرِالجماعات إحاطَةَ الهالَةِدائرة النور بالقَمَرِ والأكْمامِ بالثّمرِ فدَلَفْتُالدَّلَفُ: مشية فيها سرعة وتقارب خطو كما يمشي المقيد إليهِ لأقْتَبِسَلآخذ وأكتسب من فوائِدِه وألْتَقِطَ بعْضَ فرائِدِهجمع فريدة، وهي النادرة تنفرد عن نظائرها فسمِعْتُهُ يقولُ حينَ خبّأخذ في كلامه، والخب: السير دون إسراع في مجالِهحديث وهَدَرَتْصوَّتَت شَقاشِقُجمع شقشقة، وهي في الأصل: الجلدة الحمراء التي يخرجها فحل الإبل من حلقه عند هياجه ورغائه ويرجع فيها هديره؛ شبه صوت الواعظ حين يرفعه ويزجر به الناس بصوت البعير يهيج ويتابع الهدير ارتِجالِهابتداء كلامه من غير تهييء قبل ذلك أيّها السّادِرُالذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما يصنع في غُلَوائِهِارتفاعه للشر ولجاجه فيه السّادِلُالمرخي ثوْبَ خُيَلائِهِكبره الجامِحُالجاري إلى غير غاية في جَهالاتِهِ الجانِحُالمائل الى خُزَعْبِلاتِهأباطيله إلامَ تسْتَمرُّتدوم على غَيّكَضلالك وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَظلمك؟ وحَتّامَ تتَناهَىتبلغ النهاية في زهوِكَعجبك وكبرك ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَما يشغل عن الخير؟ تُبارِزُتكاشف، تقابل بمَعصِيَتِكَبذنوبك مالِكَ ناصِيَتِكَشعر مقدم الرأس ويقصد بها: جملة الإنسان! وتجْتَرِئُ بقُبْحِبسوء سيرَتِكعادتك وطريقتك وهيئة سيرك في الناس من حسن أو قبح على عالِمِخبير سَريرَتِكَخلاف العلانية! وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ وأنتَ بمَرْأىبمنظر رَقيبِكَأي بمنظر ربك الذي يراقب أحوالك كلها! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَعبدك، خادمك وما تَخْفى خافِيَةٌأمر خفي على مَليكِكَمالكك، سيدك! أتَظُنُّ أنْحان وقرُب ستَنْفَعُكَ حالُكَ
إذا آنَ ارتِحالُكَانتقالك من الدنيا للآخرة؟ أو يُنْقِذُكَيخلصك مالُكَ حينَ توبِقُكَتهلكك أعمالُكَ؟ أو يُغْنيينفع عنْكَ ندَمُكَحسرتك
إذا زلّتْانزلقت، أخطأت قدَمُكَرجلك؟ أو يعْطِفُيرق عليْكَ معشَرُكَجماعتك، قومك يومَ يضُمّكَيجمعك مَحْشَرُكَمكان حشرك؟ هلاّلم لا، وهي كلمة للتحضيض انتَهَجْتَسلكت مَحَجّةَطريق ومسلك اهتِدائِكَرشدك وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَمداواة مرضك وعلتك وفَلَلْتَ شَباةَحدَّ اعتِدائِكَجورك وظلمك وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ؟ أما الحِمامالموت والمَنِيَّة ميعادُكَموعدك فما إعدادُكَما هيأته؟ وبالمَشيبِ إنذارُكَتحذيرك فما أعذارُكَجمع عذر؟ وفي اللّحْدِالقبر مَقيلُكَمقامك فما قِيلُكَحديثك المقول وحجتك الواضحة؟ وإلى الله مَصيرُكَمرجعك فمَن نصيرُكَ؟ طالما أيْقَظَكَنبهك الدّهرُ فتَناعَسْتَأظهرت أنك ناعس وجذَبَكَ الوعْظُالنصح فتَقاعَسْتَتأخرت وتصعّبت!
وتجلّتْ لكَ العِبَرُالعظات فتَعامَيْتَأظهرت العمى وحَصْحَصَ لكَ الحقُّ فتمارَيْتَجادلت مشككا وأذْكَرَكَ الموتُ فتَناسَيتَتغافلت وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِيتعطي وتحسن إلى غيرك فما آسيْتَحزنت! تُؤثِرُتفضل فِلساً توعِيهِتخفيه في وعاء على ذِكْرٍ تَعيهِتحفظه وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِتبنيه عاليا على بِرٍإحسان تُولِيهِتعطيه وتَرْغَبُ عَنْ هادٍمرشد تَسْتَهْدِيهِتطلب منه الهدى الى زادٍطعام تَستَهْديهِتطلب إهداءه لك وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِتهواه على ثوابٍالثواب: المكافأة على الفعل تشْتَريهِ يَواقيتُجواهر الصِّلاتِجمع صلة، وهي العطية أعْلَقُأشد تعلقا بقَلبِكَ منْ مَواقيتِأوقات الصّلاةِ ومُغالاةُ الصَّدُقاتِجمع صدقة آثَرُأفضل عندَكَ من مُوالاةِمتابعة الصَّدَقاتِصدقة وصِحافُ الألْوانِ أشْهىأطيب إلَيْكَ منْ صَحائِفِكتب الأدْيانِ ودُعابَةُ الأقْرانِالأصحاب آنَسُأكثر إيناسا لكَ منْ تِلاوَةِقراءة القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِالمعروف، وهو كل ما يستحسن عقلا وعرفا وتَنتَهِكُ حِماهُما حُمي منه ومنع وتَحْمي عنِ النُّكْرِالمنكر، وهو كل ما يستقبح عقلا وعرفا ولا تَتحاماهُتتباعد عنه! وتُزحزِحُ عنِ الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُتأتيه وتباشره
وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ:
تباًخسارة وهلاك لطالِبِ دُنْيا
ثَنى إلَيها انصِبابَهْ
ما يسْتَفيقُ غَراماً
بها وفَرْطَ صَبابَهْ
ولوْ دَرى لَكفَاهُ
مما يَرومُ صُبابَهْ
ثمّ إنّهُ لبّدَسكَّن عَجاجَتَهُصياحه وغيّضَ مُجاجتَهُما كان يسيل من عينيه وأنفه عند البكاء واعْتَضَدَ شكْوَتَهُقربة ماء صغيرة تصنع من جلد البقر أو الخروف وتأبّطَ هِراوَتَهُعصاه
فلمّا رنَتِنظرت الجَماعَةُ الى تحفُّزِهِتهيؤه للذهاب ورأتْ تأهُّبَهُاستعداده لمُزايَلَةِلمفارقة مركَزِهِموضعه الذي أقام به أدْخَلَ كلٌ منهُمْ يدَهُ في جيْبِهِ فأفْعَمَملأ لهُ سَجْلاًالسجل: الدلو الملآن ماء، ولا يقال للدلو سجلا إذا كانت فارغة منْ سَيْبِهعطائه
وقال: اصْرِفْ هَذا في نفقَتِكَ أو فرّقْهُ على رُفْقَتِكَأصحابك فقبِلَهُ منهُم مُغضِياًمستحييا وانْثَنى عنْهُم مُثْنِياًشاكرا وجعَلَ يودِّعُ مَنْ يُشيّعُهُأي يخرج معه يريد صحبته وإيناسه إلى موضع ما ليَخْفَى علَيْهِ مَهْيَعُهُطريقه ويُسرّبُ منْ يتْبَعُهُ لكَيْ يُجْهَلَ مرْبَعُهُمنزله قال
الحارِثُ بنُ هَمّامٍ: فاتّبعْتُهُ مُوارِياًساترا عنْهُ عِيانيشخصي وقَفوْتُ أثرَهُ منْ حيثُ لا يَراني
حتّى انْتَهى الى مَغارَةٍ فانْسابَدخل بسرعة فيها على غَرارَةٍغفلة فأمْهَلْتُه ريثَما خلَعَ نعْلَيْهِ وغسَل رِجلَيْهِ
ثمّ هجَمْتُ علَيهِدخلت فجأة فوجدتُهُ مُشافِناًملاصقا لتِلْميذٍ على خبْزِ سَميذٍ وجَدْيٍ حَنيذٍمشوي بحجارة محماة وقُبالَتَهُما خابيةُ نبيذٍخمر
فقلتُ لهُ: يا هذا أيَكونُ ذاكَ خبرَكَأي كلامك إشارة إلى ما سبق منه من التزيي بحال النسك والوعاظ وهذا مَخْبَرَكَباطنك وما يختبر منك؟ فزَفَرَ زفْرَةَ القَيْظِتنفَّس وكادَ يتميّزُيتقطع وينفصل بعضه عن بعض منَ الغيْظِالغضب الشديد ولمْ يزَلْ يحَمْلِقُينظر بشدة، والحملقة: نظر الغضبان إليّ
حتّى خِفْتُ أن يسطُوَ عليّيبطش بي
فلمّا أن خبَتْانطفأت نارُهُ وتَوارَى أُوارُهُلهبه ونار غيظه، والأوار: وهج النار
أنْشَد:
لبِسْتُ الخَميصةَكساء أسود مُربَّع له عَلَمَان يلبسه النساك أبغي الخَبيصَهْ
وأنْشَبْتُ شِصّيَحديدة معوجة يصطاد به السمك، وهي الصنارة في كل شِيصَه
وصيّرتُ وعْظيَ أُحبولَةً
أُريغُأطلب على وجه المراوغة والخديعة القَنيصَالذكر والأنثى مما يصاد من الوحش، ومراده هنا: ما يأخذه من الناس بالحيل بها والقَنيصَه
وألْجأني الدّهْرُ حتى ولَجْتُدخلت
بلُطْفِ احتِيالي على اللّيثِ عيصَهبيته، وأصله: الشجر الملتف
على أنّني لم أهَبْ صرفَهُ
ولا نبَضَتْتحركت لي مِنْهُ فَريصَه
ولا شرَعتدخلت بي على مَورِدٍموضع الماء
يُدنّسُيوسخ ويعيب عِرضيَذكرى نفْسٌ حَريصَهطامعة
ولو أنْصَفَ الدّهرُ في حُكمِهِ
لَما ملّكَ الحُكْمَ أهلَ النّقيصَهخصلة قبيحة
ثمّ قال ليَ: ادْنُاقترَبْ فكُلْ وإنْ شِئْتَ فقُم وقُلْ
فالتَفَتّ الى تِلميذِه وقُلتُ: عزَمْتُأقسمت عليْكَ بمَن تستَدفِعُ بهِ الأذىتطلب دفعه، والأذى: الضرر لتُخْبرَنّي مَنْ ذا
فقال: هذا أبو زيْدٍ السَّروجيُّ سِراجُمصباح الغُرَباءلأنهم يهتدون بحيله وتاجُ الأدَباء فانصرَفْتُ من حيثُ أتيتُ وقضَيْتُ العجَبَدهشة ممّا رأيْتُ