← المقامات
المقامة الخمسون

المقامة البصرية

١٠ دقائق

حكَى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أُشعِرْتُألبست في بعضِ الأيامِ همّاً برَحَشق واشتدّ بي استِعارُهُتوقّده في القلب ولاحَ عليّ شِعارُهُعلامة وكنتُ سمِعتُ أنّ غِشْيانَ مجالِسِ الذّكْرِ يسْرو غَواشيَ الفِكْرِ فلمْ أرَ لإطْفاء ما بي منَ الجمْرَةِ إلا قصْدَ الجامِعِ بالبَصرَةِ وكانَ إذْ ذاكَ مأهولَكثير الأهل المسانِدِ مَشْفوهَازدحام الطلبة المَوارِدِ يُجْتَنى منْ رِياضِهِ أزاهيرُأنوار الكَلامِ ويُسمَعُ في أرْجائِهِ صَريرُأصوات الأقْلامِ فانطلَقْتُ إليْهِ غيرَ وانٍمقصّر ولا لاوٍ على شانٍمعرّج على أمر

فلمّا وطِئْتُ حَصاهُ واستَشْرَفْتُ أقْصاهُ تَراءى لي ذو أطْمارٍثياب خلقة بالِيَةٍ فوْقَ صخْرَةٍ عالِيَةٍ وقدْ عصيَتْ بهِ عُصَبٌجماعات لا يُحْصى عديدُهُمْ ولا يُنادَى وَليدُهُمْ فابتَدْتُ قصْدَهُ وتورّدْتُ وِرْدَهُ ورجَوْتُ أنْ أجِدَ شِفائي عندَهُ ولمْ أزَلْ أتنقّلُ في المَراكِزِمواضع الجلوس وأُغْضي للاّكِزِ والواكِزِ الى أن جلسْتُ تُجاهَهُ بحيْثُ أمِنْتُ اشْتِباهَهُ

فإذا هوَ شيخُنا السّروجيّ لا ريْبَ فيهِ ولا لَبْسَ يُخْفيهِ فانْسَرى بمَرْآهُ همّي وارْفَضّتْ كتيبَةُ غمّي وحينَ رآني وبصُرَ بمكاني

قال: يا أهْلَ البصرَةِ رعاكُمُ اللهُ ووقاكُمْ وقوّى تُقاكُمْ فما أضْوَعَأفوح رائحة ريّاكُمْ وأفضلَ مَزاياكُمْ! بلَدُكُمْ أوْفَىأكمل البِلادِ طُهرَةً وأزْكاها فِطرَةً وأفسَحُه رُقعَةًقطعة أرض وأمرَعُها نُجعَةًموضع عشب وأقوَمُها قِبلَةً وأوسَعُها دِجلَةً وأكثرُها نهْراً ونَخلَةً

وأحسَنُها تَفْصيلاً وجُملَةً دِهْليزُمدخل دار البلَدِ الحَرامِ وقُبالَةُ البابِعقول والمَقامِ وأحدُ جَناحَيِ الدّنْيا والمِصْرُ المؤسّسُ على التّقْوى لمْ يتدنّسْيتوسّخ ببُيوتِ النّيرانِ ولا طِيفَ فيهِ بالأوْثانِ ولا سُجِدَ على أديمِهِجلد أو أرض لغَيرِ الرّحْمَنِ ذو المَشاهِدِ المشْهودَةِ والمساجِدِ المقصودَةِ والمَعالِمِ المشْهورَةِ والمقابِرِ المَزورَةِ والآثارِ المحْمودَةِ والخِطَطِ المحْدودَةِ بهِ تلْتَقي الفُلْكُالسفن والرّكابُ والحيتانُ والضِّبابُ والحادِي والمَلاّحُ والقانصُ والفلاحُ والناشِبُ والرّامِحُ

والسّارِحُ والسّابِحُ ولهُ آيةُ المدّ الفائِضِ والجزْرِ الغائِضِ وأما أنتمْ فممّنْ لا يختلِفُ في خَصائِصِهِمِسماتهم اثْنانِ ولا يُنكِرُها ذو شَنآنٍبغض دَهْماؤكُمْعامّتكم أطْوَعُ رَعِيّةٍ لسُلْطانٍ وأشكَرُهُمْ لإحْسانٍ وزاهِدكُمْ أوْرَعُ الخليقَةِ وأحسنُهُمْ طَريقَةً على الحَقيقَةِ وعالِمُكُمْ علاّمَةُ كلّ زمانٍ والحُجّةُ البالِغَةُ في كلّ أوانٍ ومنكُمْ منِ استنبَطَ عِلمَ النّحْوِ ووضَعَهُ والذي ابتدَعَابتكر ميزانَ الشِّعْرِ واخترَعَهُ وما منْ فخْرٍ إلا ولَكُمْ فيهِ اليَدُ الطّولى والقِدْحُ المُعَلّىالرفيع ولا صيتٍ إلا وأنتُمْ أحَقُّ بهِ وأوْلى

ثمّ إنّكُمْ أكثرُ أهلِ مِصرٍ مؤذّنينَ وأحسَنُهُمْ في النّسكِ قَوانينَ وبكُمُ اقتُدِيَ في التّعريفِ وعُرِفَ التّسحيرُ في الشّهرِ الشّريفِ ولكُمْ إذا قرّتِسكنت المضاجِعُ وهجَعَ الهاجِعُالنّائم بعمق تَذْكارٌ يوقِظُ النّائِمَ ويؤنِسُ القائِمَ وما ابتسَمَ ثغْرُبداية فجرٍ ولا بزَغَظهر نورُهُ في برْدٍ ولا حرٍّ إلا ولتأذينِكُمْ بالأسْحارِ دويٌّصوت كدويّ الرّيحِ في البِحارِ وبِهذا صدَعَبان عنكُمُ النّقْلُ وأخبرَ النّبيُّ، عليهِ السّلامُ، منْ قبلُ وبيّنَ أنّ دويّكُمْ بالأسْحارِ كدويّ النّحلِ في القِفارِالصحارى فشرَفاً لكُمْ ببِشارَةِ المُصطَفى وواهاً لمِصرِكُمْ وإنْ كانَ قدْ عَفاخرب ولمْ يبْقَ منهُ إلا شَفاًطرف

ثمّ إنهُ خزَنَحبس لسانَهُ وخطَمَ بيانَهُ

حتى حُدِجَنظر بحدة بالأبْصارِ وقُرِفَ بالإقْصارِ ووُسِمَ بالاستِقْصارِ فتنفّسَ تنفُّسَ مَنْ قِيدَقدر لقَوَدٍقتل نفس أو ضبَثَتْ بهِ براثِنُ أسَدٍ

ثمّ قال: أما أنتُمْ يا أهلَ البَصرَةِ فما منْكُمْ إلا العَلَمُ المعروفُ ومنْ لهُ المعرفَةُ والمعروفُ وأما أنا فمَنْ عرَفَني فأنا ذاكَ وشرُّ المَعارِفِ منْ آذاكَ ومنْ لم يُثْبِتْ عِرْفَتي فسأصْدُقُهُ صِفَتي أنا الذي أنجدَ وأتهَمَ وأيمَنَ وأشأمَ وأصْحرَ وأبحَرَ وأدْلَجَ وأسْحَرَ نشأتُ بسَروجَ ورَبيتُ على السُّروجِ

ثمّ ولَجْتُ المَضايقَ وفتحْتُ المغالِقَ وشهِدْتُ المَعارِكَ وألَنْتُ العَرائِكَ واقْتَدْتُ الشّوامِسَ وأرْغَمْتُ المَعاطِسَ وأذَبْتُ الجَوامِدَ وأمَعْتُ الجَلامِدَ سَلوا عني المشارِقَ والمَغارِبَ والمَناسِمَ والغَوارِبَ والمَحافِلَ والجَحافِلَ والقَبائِلَ والقَنابِلَ واستَوْضِحوني منْ نقَلَةِحاملو الأخبار الأخْبارِ ورُواةِ الأسْمارِأحاديث الليل وحُداةِ الرُكْبانِ وحُذّاقِ الكُهّانِ لتَعْلَموا كمْ فجٍّطريق جبلي سلَكْتُ وحِجابٍ هتكْتُخرقت ومَهلَكةٍ اقتَحمْتُاندفعت ومَلحَمَةٍ ألْحَمْتُأوقدت وكمْ ألْبابٍ خدَعْتُ وبِدَعٍ ابتَدَعْتُ وفُرَصٍ اختلَسْتُاختطفت وأُسُدٍ افترَسْتُ وكمْ محلِّقٍطائر غادَرْتُهُ لَقًىمطروح وكامِنٍ استَخرَجْتُهُ بالرُّقى وحجَرٍ شحذْتُهُصقلته حتى انصدَعَ واستَنْبَطْتُ زُلالَهُماء عذب بالخُدَعِ

ولكِنْ فرَطَ ما فرَطَ والغُصْنُ رَطيبٌناعم والفَوْدُ غِرْبيبٌأسود وبُرْدُ الشّبابِ قَشيبٌجديد فأمّا الآنَ وقدِ استشَنّجفّ الأديمُ وتأوّدَ القَويمُمعتدل واستَنارَ اللّيلُ البَهيمُشديد الظلمة فليْسَ إلا النّدَمُالحسرة إنْ نفَعَ وترْقيعُ الخَرْقِالثقب الذي قدِ اتّسَعَ وكُنتُ رُوّيتُ منَ الأخْبارِ المُسنَدَةِ والآثارِ المُعتَمَدةِ أن لكُمْ منَ اللهِ تعالى في كلّ يومٍ نَظرَةًرحمة وأنّ سِلاحَعدة الناسِ كلّهِمِ الحَديدُ وسِلاحَكُمُ الأدْعِيَةُ والتّوْحيدُ فقصَدْتُكُمْ أُنْضيأهزل الرّواحِلَ وأطْوي المَراحِلَ

حتى قُمْتُ هذا المَقامَموضع قيام لَديْكُمْ ولا مَنّ لي عليكُمْ

إذْ ما سعَيْتُ إلا في حاجَتي ولا تعِبْتُ إلا لراحَتي ولسْتُ أبْغي أعطِيَتَكُمْ بل أستَدْعي أدعِيتَكُمْ ولا أسْألُكُمْ أموالَكُمْ بل أستنزِلُ سُؤالَكُمْ فادْعوا الى اللهِ بتوْفيقي للمَتابِ والإعْدادِ للمآبِ فإنهُ رفيعُ الدّرَجاتِ مُجيبُ الدّعَواتِ وهوَ الذي يقبلُ التّوبَةَ عنْ عِبادِهِ ويعْفو عنِ السّيّئاتِ

ثمّ أنشدَ: بَ والمَناسِمَ والغَوارِبَ والمَحافِلَ والجَحافِلَ والقَبائِلَ والقَنابِلَ

واستَوْضِحوني منْ نقَلَةِ الأخْبارِ ورُواةِ الأسْمارِ وحُداةِ الرُكْبانِ وحُذّاقِ الكُهّانِ لتَعْلَموا كمْ فجٍّ سلَكْتُ وحِجابٍ هتكْتُ ومَهلَكةٍ اقتَحمْتُ ومَلحَمَةٍ ألْحَمْتُ وكمْ ألْبابٍ خدَعْتُ وبِدَعٍ ابتَدَعْتُ وفُرَصٍ اختلَسْتُ وأُسُدٍ افترَسْتُ وكمْ محلِّقٍ غادَرْتُهُ لَقًى وكامِنٍ استَخرَجْتُهُ بالرُّقى وحجَرٍ شحذْتُهُ حتى انصدَعَ واستَنْبَطْتُ زُلالَهُ بالخُدَعِ

ولكِنْ فرَطَ ما فرَطَ والغُصْنُ رَطيبٌ والفَوْدُ غِرْبيبٌ وبُرْدُ الشّبابِ قَشيبٌ فأمّا الآنَ وقدِ استشَنّ الأديمُ وتأوّدَ القَويمُ واستَنارَ اللّيلُ البَهيمُ فليْسَ إلا النّدَمُ إنْ نفَعَ وترْقيعُ الخَرْقِ الذي قدِ اتّسَعَ وكُنتُ رُوّيتُ منَ الأخْبارِ المُسنَدَةِ والآثارِ المُعتَمَدةِ أن لكُمْ منَ اللهِ تعالى في كلّ يومٍ نَظرَةً وأنّ سِلاحَ الناسِ كلّهِمِ الحَديدُ وسِلاحَكُمُ الأدْعِيَةُ والتّوْحيدُ فقصَدْتُكُمْ أُنْضي الرّواحِلَ وأطْوي المَراحِلَ

حتى قُمْتُ هذا المَقامَ لَديْكُمْ ولا مَنّ لي عليكُمْ

إذْ ما سعَيْتُ إلا في حاجَتي ولا تعِبْتُ إلا لراحَتي ولسْتُ أبْغي أعطِيَتَكُمْ بل أستَدْعي أدعِيتَكُمْ ولا أسْألُكُمْ أموالَكُمْ بل أستنزِلُ سُؤالَكُمْ فادْعوا الى اللهِ بتوْفيقي للمَتابِ والإعْدادِ للمآبِ فإنهُ رفيعُ الدّرَجاتِ مُجيبُ الدّعَواتِ وهوَ الذي يقبلُ التّوبَةَ عنْ عِبادِهِ ويعْفو عنِ السّيّئاتِ

ثمّ أنشدَ:

أستغْفِرُ اللهَ منْ ذُنوبٍ

أفرَطْتُقصّرت فيهِنّ واعْتَدَيْتُ

كمْ خُضْتُ بحْرَ الضّلالِ جهْلاً

ورُحتُ في الغَيّالضلال واغْتَدَيْتُ

وكمْ أطَعْتُ الهَوى اغْتِراراً

واختَلْتُ واغْتَلْتُ وافْترَيْتُ

وكمْ خلَعْتُ العِذارَالمانع ركْضاً

الى المَعاصي وما ونَيْتُ

وكمْ تَناهَيْتُ في التّخطّي

الى الخَطايا وما انتهيْتُ

فلَيتَني كُنتُ قبل هذا

نَسْياًشيئاً منسياً ولمْ أجْنِ ما جنَيْتُاكتسبت

فالمَوتُ للُجْرِمين خيرٌ

من المَساعي التي سعَيْتُ

يا رَبِّ عفْواً فأنْتَ أهلٌ

للعَفْوِ عنّي وإنْ عصَيْتُ

قال الرّاوي: فطفِقَتِ الجَماعَةُ تُمِدّهُ بالدّعاء وهوَ يقلّبُ وجْهَهُ في السّماء الى أن دمَعَتْ أجفانُهُجفون العين وبَدا رَجفانُهُارتعاشه

فصاحَ: اللهُ أكبرُ بانَتْ أمارَةُ الاستِجابَةِ وانْجابَتْ غِشاوَةُغطاء الاستِرابَةِالشك فجُزيتُمْ يا أهلَ البُصَيْرَةِ جَزاءَ منْ هدَى منَ الحَيرَةِ فلمْ يبْقَ منَ القوْمِ إلا منْ سُرّ لسُرورِهِ ورضخَ لهُ بمَيْسورِهِ فقَبِلَ عفْوَ بِرّهِمْ وأقبلَ يُغْرِقُ في شُكرِهِمْ

ثمّ انحدَرَ منَ الصّخرَةِ يؤمّ شاطئَ البَصرَةِ واعْتَقَبْتُهُ الى حيثُ تخالَيْنا وأمِنّا التّجسّسَ والتّحسّسَ علَيْنا

فقلْتُ لهُ: لقدْ أغْرَبْتَ في هذِهِ النّوبَةِالمرة فما رأيُكَ في التّوبَةِ؟

فقال: أُقسِمُ بعَلاّمِ الخَفيّاتِ وغَفّارِ الخطيّاتِ إنّ شأني لَعُجابٌ وإنّ دُعاء قومِكَ لَمُجابٌ

فقلتُ: زِدْني إفْصاحاًبيانا

زادَكَ اللهُ صَلاحاً! فقال: وأبيكَ لقدْ قُمتُ فيهِمْ مَقامَ المُريبِمرتاب الخادِعِ

ثمّ انقلَبْتُ منهُمْ بقَلْبِ المُنيبِالتائب الخاشِعِالخاضع! فطوبى لمَنْ صغَتْمالت قُلوبُهُمْ إليْهِ وويْلٌ لمَنْ باتوا يدْعونَ عليْهِ! ثمّ ودّعَني وانطلَقَ وأوْدَعَني القلَقَ فلمْ أزَلْ أُعانيأقاسي لأجْلِهِ الفِكَرَ

وأتشوّفُ الى خِبرَةِاختبار ما ذكرَ وكلّما استَنشَيْتُعلمت خبرَهُ منَ الرُّكْبانِ وجَوّابَةِ البُلْدانِ كُنتُ كمَنْ حاوَرَكلّم عجْماءصماء أو نادَى صخْرَةً صمّاء الى أن لَقيتُ بعْدَ تَراخيتباطؤ الأمَدِ وتَراقي الكَمَدِالحزن ركْباًأصحاب الإبل قافِلينَراجعين من سفر منْ سفَرٍرحلة

فقلتُ: هلْ منْ مُغرِّبَةِغريبة خبَرٍ؟

فقالوا: إنّ عندَنا لخَبراً أغرَبَ منَ العَنْقاءطائر وأعْجَبَ منْ نظَرِ الزّرْقاء فسألتُهُمْ إيضاحَ ما قالوا وأنْ يَكيلوا بما اكْتالوا فحَكَوْا أنهمْ ألمّوانزلوا بسَروجَ بعْدَ أنْ فارقَها العُلوجُالأعاجم فرأوْا أبا زيْدِها المعْروفَ قد لبِسَ الصّوفَ وأَمَّ الصّفوفَ وصارَ بها الزّاهِدُ الموصوفَ

فقلتُ: أتعْنونَ ذا المَقاماتِالمجالس الأدبية؟

فقالوا: إنهُ الآنَ ذو الكَراماتِ! فحفَزَني إليْهِ النّزاعُالشوق ورأيتُها فُرصَةًغنيمة لا تُضاعُ فارْتَحلْتُ رِحلَةَ المُعِدّالاستعداد وسِرْتُ نحوَهُ سيرَ المُجِدّالجهد

حتى حللْتُ بمسْجِدِهِ وقرارَةِ متعبّدِهِمكان عبادته

فإذا هوَ قد نبَذَترك صُحبَةَ أصْحابِهِ وانتصَبَ في مِحْرابِهِ وهو ذو عَباءةٍكساء مخلولَةٍبالية وشمْلَةٍ موصولَةٍ فهِبْتُهُ مَهابَةَرهبة منْ ولَجَدخل على الأسودِ وألْفَيْتُهُ ممّنْ سِيماهُمْعلاماتهم في وُجوهِهِمْ منْ أثَرِ السّجودِ

ولمّا فرَغَ منْ سُبْحتِهِ حيّاني بمُسبِّحَتِهِ منْ غيرِ أن نغَمَكلام خفي بحديثٍ ولا استَخْبرَ عنْ قديمٍ ولا حَديثٍ

ثمّ أقْبلَ على أوْرادِهِأذكاره وتركَني أعجَبُ منِ اجتِهادِهِ وأغبِطُ مَنْ يَهدي اللهُ منْ عِبادِهِ ولمْ يزَلْ في قُنوتٍدعاء في الصلاة وخُشوعٍ وسُجودٍ ورُكوعٍ وإخْباتٍ وخُضوعٍ الى أن أكْملَ إقامَة الخمْسِ وصارَ اليومُ أمْسِ فحينئذٍ انْكفأانقلب بي الى بيتِهِ وأسْهَمَني في قُرْصِهِ وزَيْتِهِ

ثمّ نهضَ الى مُصلاّهُ وتخلّى بمُناجاةِ موْلاهُ

حتى إذا التمَعَ الفجرُ وحقّ للمُتهَجِّدِ الأجْرُ عقّبَ تهجّدَهُقيامه للصلاة بالتّسْبيحِ

ثمّ اضطَجَعَ ضِجْعَةَ المُستريحِ وجعلَ يرجّعُ

بصوْتٍ فَصيحٍ:

خلِّ ادّكارَ الأرْبُعِ

والمعْهَدِ المُرتَبَعِ

والظّاعِنِ المودِّعِ

وعدِّ عنْهُ ودَعِ

وانْدُبْ زَماناً سلَفا

سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفا

ولمْ تزَلْ مُعتكِفا

على القبيحِ الشّنِعِ

كمْ ليلَةٍ أودَعْتَها

مآثِماً أبْدَعْتَها

لشَهوَةٍ أطَعْتَها

في مرْقَدٍ ومَضْجَعِ

وكمْ خُطًى حثَثْتَهاعجلتها

في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَها

وتوْبَةٍ نكَثْتَهانقضتها

لمَلْعَبٍ ومرْتَعِ

وكمْ تجرّأتَتشجعت وأقدمت على

ربّ السّمَواتِ العُلى

ولمْ تُراقِبْهُتحارسه وتخشى منه ولا

صدَقْتَ في ما تدّعي

وكمْ غمَصْتَ بِرّهُإحسانه

وكمْ أمِنْتَ مكْرَهُ

وكمْ نبَذْتَتركت أمرَهُ

نبْذَ الحِذا المرقَّعِ

وكمْ ركَضْتَجريت في اللّعِبْ

وفُهْتَ عمْداً بالكَذِبْ

ولمْ تُراعِتحفظ ما يجِبْ

منْ عهْدِهِ المتّبَعِ

فالْبَسْ شِعارَثوب يلصق بالجسد النّدمِ

واسكُبْ شآبيبَدفع المطر الدّمِ

قبلَ زَوالِ القدَمِ

وقبلَ سوء المصْرَعِموضع السقطة

واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ

ولُذْ مَلاذَملجأ المُقترِفْالمذنب

واعْصِ هَواكَ وانحَرِفْ

عنْهُ انحِرافَ المُقلِعِالذي يقلع

إلامَ تسْهوتخطئ وتَني

ومُعظَمُ العُمرِ فَنيتم

في ما يضُرّ المُقْتَنيالمكتسب

ولسْتَ بالمُرْتَدِعِ

أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْفشا وانتشر

وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ

ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ

بفَودِهِ فقدْ نُعي

ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصي

على ارْتِيادِ المَخلَصِ

وطاوِعي وأخْلِصي

واسْتَمِعي النُّصْحَ وعي

واعتَبِرِي بمَنْ مضى

من القُرونِالأمم السابقة وانْقَضى

واخْشَيْ مُفاجاةَ القَضاالقدر

وحاذِري أنْ تُخْدَعي

وانتَهِجي سُبْلَطرق الهُدى

وادّكِري وشْكَسرعة الرّدىالهلاك

وأنّ مثْواكِموضع إقامتك غدا

في قعْرِ لحْدٍشق بلْقَعِأرض جرداء

آهاًوجع لهُ بيْتِ البِلَىالتلف

والمنزِلِ القفْرِخالٍ الخَلافراغ

وموْرِدِ السّفْرِالمسافرون الأُلىمقلوب الأول

واللاّحِقِ المُتّبِعِ

بيْتٌ يُرَى مَنْ أُودِعَهْ

قد ضمّهُ واسْتُودِعَهْ

بعْدَ الفَضاءالرحب والسّعَهْ

قِيدَ ثَلاثِ أذْرُعِ

لا فرْقَ أنْ يحُلّهُيسكنه

داهِيَةٌحاذق أو أبْلَهُغافل

أو مُعْسِرٌفقير أو منْ لهُ

مُلكٌ كمُلْكِ تُبّعِتابع

وبعْدَهُ العَرْضُ الذي

يحْوي الحَييَّالمستحيي والبَذي

والمُبتَدي والمُحتَذي

ومَنْ رعى ومنْ رُعي

فَيا مَفازَ المتّقيالخائف من الله

ورِبْحَ عبْدٍ قد وُقِي

سوءَ الحِسابِ الموبِقِالمهلك

وهوْلَ يومِ الفزَعِ

ويا خَسارَ مَنْ بغَى

ومنْ تعدّى وطَغى

وشَبّ نيرانَ الوَغىالحرب

لمَطْعَمٍ أو مطْمَعِ

يا مَنْ عليْهِ المتّكَلْ

قدْ زادَ ما بي منْ وجَلْخوف

لِما اجتَرَحْتُاكتسبت من زلَلْ

في عُمْري المُضَيَّعِ

فاغْفِرْ لعَبْدٍ مُجتَرِمْ

وارْحَمْ بُكاهُ المُنسجِمْ

فأنتَ أوْلى منْ رَحِمْ

وخيْرُ مَدْعُوٍّ دُعِي

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ يزَلْ يرَدّدُها بصوتٍ رقيقٍ ويصِلُها بزَفيرٍ وشَهيقٍ

حتى بكيتُ لبُكاء عينيهِ كَما كُنتُ منْ قبلُ أبكي عليْهِ

ثمّ برزَ الى مسجِدِهِ بوُضوء تهجّدِهِ فانطلَقْتُ رِدْفَهُخلفه وصلّيتُ مع مَنْ صلّى خلفهُ

ولمّا انفَضّتفرق مَنْ حضَرَ وتفرّقوا شغَرَ بغَرَعلى كل جهة أخذَ يُهَينِمُ بدَرْسِهِ ويسْبِكُ يومَهُ في قالِبِ أمْسِهِ وفي ضِمْنِ ذلِكَ يُرِنّيصوت إرْنانَ الرَّقوبِلا يعيش لها ولد ويبْكي ولا بُكاءَ يعْقوبَ

حتى استَبَنْتُتحققت أنهُ التحقَ بالأفْرادِ وأُشرِبَ قلبُهُ هوى الانْفِرادِحب الوحدة فأخطَرْتُ بقَلْبي عَزْمَةَ الارتِحالِ وتخْلِيَتَهُ والتّخلّي بتِلكَ الحالِ فكأنهُ تفرّسَ ما نويْتُ أو كوشِفَ بما أخْفَيْتُ فزفَرَ زَفيرَنفخ الأوّاهِ

ثمّ قرأ: فإذا عزَمْتَ فتوكّلْ على اللهِ فأسْجَلْتُ عندَ ذلِكَ بصِدْقِ المُحدّثينَ وأيقَنْتُ أنّ في الأمّةِ محَدّثينَ

ثمّ دنَوْتُ إليْهِ كما يدْنو المُصافِحُ

وقلتُ: أوْصِني أيها العبْدُ النّاصِحُ

فقال: اجعَلِ الموتَ نُصْبَ عينِكَ وهذا فِراقُ بيني وبينِكَ فودّعْتُهُ وعبَراتي يتحدّرْنَ منَ المآقي وزَفَراتي يتصَعّدْنَ منَ التّراقي وكانتْ هذِهِ خاتِمَةَ التّلاقي