← المقامات
المقامة الثانية

المقامة الحلوانية

١٠ دقائق

حَكى الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: كلِفْتُأحببت بشدة مُذْ ميطَتْأزيلت عني التّمائِمُالأحراز ونِيطَتْ بيَ العَمائِمُأغطية الرأس بأنْ أغْشىأقصد مَعانَمنازل الأدَبِ وأُنضيَ إليْهِ

فلمّا حلَلْتُنزلت حُلْوانَبلدة وقدْ بلَوْتُجربت الإخْوانَالأصحاب وسَبَرْتُ الأوْزانَأقدار الناس وخبَرْتُ ما شانَعاب وَزانَزيّن ألفَيْتُوجدت بها أبا زيْدٍ السَّروجيَّ يتقلّبُيتنوع في قوالبِأشكال الانتِسابِ ويخْبِطُ في أساليبِطرق الاكتِسابِ فيدّعي تارَةً أنّهُ من آلِ ساسانَملوك الفرس ويعْتَزي مرّةً الى أقْيالِملوك غسّانَقبيلة عربية ويبْرُزُ طَوراًحينا في شِعارِثياب الشّعَراء ويَلبَسُ حيناً كِبَرَتكبر الكُبَراءِ بيْدَ أنّهُغير معَ تلوّنِ حالِهِ وتبَيّنِ مُحالِهِباطله يتحلّى برُواءٍ ورِوايَةٍ ومُدراةٍ ودِرايَةٍ

وبَلاغَةٍ رائِعَةٍمعجبة وبَديهةٍ مُطاوعةٍمنقادة وآدابٍ بارِعةٍفائقة وقدَمٍ لأعْلامِ العُلومِ فارِعةٍطائلة فكانَ لمحاسِنِ آلاتِهِعدده يُلْبَسُيصاحب على عِلاّتِهعيوبه ولِسَعَةِ رِوايَتِهعلمه يُصْبىيمال الى رؤيَتِهِ ولخلابَةِ عارِضَتِهِنافسته/جارته يُرْغَبُ عنْ مُعارضَتِهِ ولعُذوبَةِ إيرادِهِبيانه يُسْعَفُيقضي بمُرادِهِ فتعَلّقتُ بأهْدابِهِ لخَصائِصِ آدابِهِ ونافَسْتُ في مُصافاتِهِإخلاصه لنَفائِسِ صِفاتِه

فكُنتُ بهِ أجْلو هُمومي وأجْتَلي

زمانيَ طلقَ الوجْهِ مُلتَمِعَ الضّيا

أرَى قُرْبَهُ قُرْبى ومَغْناهُ غُنْيَةً

ورؤيَتَهُ رِيّاً ومَحْياهُ لي حَيامطر

ولَبِثْنا على ذلِكَ بُرْهَةًمدة يُنْشئيصنع ويبتدئ لي كلَّ يومٍ نُزهَةًخروج للتفرج ويدْرَأُ عن قلبي شُبهَةًإشكال والتباس الى أنْ جدَحَتْحركت ومزجت لهُ يَدُ الإمْلاقِالفقر كأس الفِراقِ وأغْراهُ عدَمُ العُراقِعظم بلا لحم بتَطْليقِ العِراقِ ولفَظَتْهُ مَعاوِزُثياب بالية الإرْفاقِإيصال نفع الى مَفاوِزِ الآفاقِ ونظَمَهُ في سِلْكِ الرّفاقِ خُفوقُ رايةِ الإخْفاقِ فشحَذَ للرّحْلَةِ غِرارَ عزْمَتِهِ وظَعَنَ يقْتادُ القلْبَ بأزِمّتِهِ

فما راقَنيسرّني مَنْ لاقَني بعْدَ بُعْدِهِ

ولا شاقَنيشوقني مَنْ ساقني لوِصالِهِ

ولا لاحَ لي مُذْ ندّنظير نِدٌ لفَضْلِهِ

ولا ذو خِلالٍصفات حازَجمع مثلَ خِلالِهِ

واسْتَسَرّ عني حيناً لا أعرِفُ لهُ عَريناًبيت الأسد ولا أجِدُ عنْهُ مُبيناًمكان استقرار

فلمّا أُبْتُرجعت منْ غُربَتي الى منْبِتِموضع نشأة شُعْبَتيقرابتي حضَرْتُ دارَ كُتُبِها التي هيَ مُنتَدىمجتمع المتأدّبينَ ومُلتَقَى القاطِنينَالساكنين منهُمْ والمُتغرّبينَ فدخَلَ ذو لِحْيَةٍ كثّةٍكثيفة وهيئَةٍ رثّةٍ فسلّمَ على الجُلاّسِ وجلَسَ في أُخرَياتِ الناسِ

ثمّ أخذَ يُبْدي ما في وِطابِهِ ويُعْجِبُ الحاضِرينَ بفصْلِ خِطابِهِ

فقال لمَنْ يَليه: ما الكِتابُ الذي تنظُرُ فيهِ؟

فقالَ: ديوانُمجموعة شعرية أبي عُبادةَ المشْهودِالمعروف، مشهود له لهُ بالإجادَةِ

فقال: هلْ عثَرْتَأخطأت، تعثرت لهُ فيما لمحْتَهُرأيته على بَديعٍجميل استَملَحْتَهُاستحسنته؟

قال: نعمْ قولُه:

كأنّما تبْسِمُ عن لُؤلُؤٍالجواهر

منضّدٍمرتب أو برَدٍثلج أو أقاحْأزهار الأقحوان

فإنّهُ أبدَعَأتى ببديع في التّشبيهِمقارنة المُودَعِالمضمّن فيهِ

فقالَ لهُ: يا لَلعجَبِ ولَضَيْعَةِ الأدبِ! لقدِ استَسْمَنْتَطلب السمنة يا هَذا ذا ورَمٍدمل ونَفَخْتَ في غيرِ ضرَمٍالنار! أينَ أنتَ منَ البيْتِ النّدْرِالغريب الجامِعِ مُشَبّهاتِ الثّغْرِالأسنان والفم؟

وأنْشَد:

نفْسي الفِداءُ لثَغْرٍ راقَأعجب مبسِمُهُموضع الابتسامة

وزانَهُ شنَبٌ ناهيكَكافيك من شنَبِ

يفترُّيكشف ويبسم عن لُؤلُؤٍ رطْبٍطريّ وعن برَدٍ

وعن أقاحٍزهر الأقحوان وعن طلْعٍأسنان وعن حبَبِفقاعات

فاستَجادَهُ مَنْ حضَر واسْتَحْلاهُ واستَعادَهُ منْهُ واسْتمْلاهُ

وسُئِلَ: لمنْ هذا البيتُ وهلْ حيٌ قائِلُهُ أو ميْتٌ؟

فقال: أيْمُ اللهِيمين يحلف به لَلحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتّبَعَ ولَلصّدْقُ حَقيقٌ بأنْ يُستَمَعَ! إنّهُ يا قَوْمُ لنَجيّكُمْمحدثكم مُذُ اليوْمَ

قال: فكأنّ الجَماعَةَ ارْتابَتْشكت بعزْوَتِهبنسبته وأبَتْ تصْديقَ دعْوَتهادعاؤه فتوجّسَأحسّ وسمع ما هجَسَوقع وخطر في أفْكارِهِمْ وفطِنَ لِما بَطَنَخفي مِنِ استِنْكارِهِمْ وحاذَرَ أنْ يفْرُطَيسبق إليْهِ ذمّ أو يَلْحَقَهُ وصْمٌ

فقرأ: إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ

ثم قال: يا رُواةَ القَريضِالشعر وأُساةَ القوْلِ المَريضِ إنّ خُلاصَةَ الجوهَرِأحجار كريمة تظهَرُ بالسّبْكِ ويدَ الحقّ تصْدَعُتشق رِداءَ الشّكّ

وقدْ قيلَ فيما غبَرَمضى منَ الزّمانِ: عندَ الامتِحانِالاختبار والبحث يُكرَمُ الرّجُلُ أو يُهانُ وها أنا قدْ عرّضْتُ خبيئَتي للاخْتِبارِ وعرَضْتُ حَقيبَتي على الاعْتِبارِ فابْتَدَر أحدُ مَنْ حضَرَ

وقال: أعرِفُ بيْتاً لمْ يُنسَجْيصنع على مِنْوالِهِخشبة الحائك ولا سمَحَتْجادت قَريحةٌذهن بمِثالِهِ فإنْ آثَرْتَفضلت اختِلابَإمالة، خداع القُلوبِ فانْظِمْ على هذا الأسْلوبِالطريقة

وأنْشَدَ:

فأمطَرَتْ لؤلؤاًدرّا من نرْجِسٍنبات، زهر وسقَتْ

ورْداً وعضّتْ على العُنّابِثمر (للشفاه) بالبَرَدِ

فلم يكُنْ إلا كلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أقرَبُ

حتى أنْشَدَألقى شعرا فأغْرَب:

سألتُها حينَ زارَتْ نَضْوَخلع/نزع بُرْقُعِهانقابها

القانيشديد الحمرة وأيداعَ سمْعي أطيَبَ الخبَرِ

فزَحزَحَتْ شفَقاً غشّىغطّى سَناضوء قمَرٍ

وساقَطَتْ لُؤلؤاً من خاتَمٍ عطِرِفوّاح

فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه واعتَرَفوا بنَزاهَتِه

فلمّا آنَسَأحسّ، علم استِئْناسَهُمْألفتهم بكَلامِهِ وانصِبابَهُمْ الى شِعْبِطريق، جانب إكْرامِهِتعظيمه، تكريمه أطْرَقَسكت، نظر للأسفل كطَرْفَةِ العَينِ

ثمّ قال: ودونَكُمْ بيتَينِ آخرَينِ

وأنشدَ:

وأقبَلَتْ يومَجدّ البينُ في حُلَلٍثياب فاخرة

سودٍ تعَضُّتقضم بَنانَأطراف الأصابع النّادِمالمتحسّر الحَصِرِالضّيق

فلاحَظهر ليْلٌ على صُبْحٍ أقلّهُماأضعفهما

غُصْنٌفرع شجرة وضرّسَتِ البِلّورَالزجاج بالدَّرَرِ

فحينَئذٍ استَسْنىقدّر، اعترف القوْمُ قيمَتَهُمنزلته واستَغْزَروا ديمَتَهُعطائه وأجْمَلوا عِشْرَتَهُمخالطته وجمّلوا قِشرَتَهُظاهره

قال المُخْبِرُ بهَذِهِ الحِكايَةِ: فلمّا رأيتُ تلهُّبَ جذْوَتِهِالنار في طرف العود وتألُّقَ جلْوَتِهِبريق وجهه أمعَنْتُأدمت النظر النّظَرَ في توسُّمِهِنظر سماته وسرّحْتُ الطّرْفَ في ميسِمِهِعلامته

فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ وقدْ أقْمَرَابيضّ ليلُه الدّجُوجيُّالشديد السواد فهنّأتُ نفسي بمَورِدِهِبقدومه وابتدَرْتُ اسْتِلامتقبل اليد يدِهِ

وقلتُ لهُ: ما الذي أحالَغيّر صفَتَكَ

حتى جهِلْتُ معرِفَتَكَ؟ وأيّ شيء شيّبَ لحيَتَكَ

حتى أنْكَرْتُ حِليَتَكَصفتك؟

فأنشأ يقول:

وقْعُ الشّوائِبِما يكدّر شيّبْ

والدّهرُ بالناسِ قُلَّبْكثير التقلّب

إنْ دانَطاع وانقاد يوماً لشَخْصٍ

ففي غدٍ يتغلّبْ

فلا تثِقْ بوَميضٍ

منْ برْقِهِ فهْوَ خُلّبْخدّاع

واصْبِرْ إذا هوَ أضْرىأغرى وألصق

بكَ الخُطوبَ وألّبْ

فما على التِّبْرِذهب خام عارٌ

في النّارِ حينَ يُقلَّبْ

ثمّ نهضَ مُفارِقاً موضِعَهُ ومُستَصْحِباً القُلوبَ معَهُ