← المقامات
المقامة الثانية والأربعون

المقامة النجرانية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: تَرامتْأُلقيت بي مَراميمقاصدي النّوىالبعد ومسَاري الهَوىالعشق الى أن صِرْتُ ابنَ كُلّ تُربَةٍ وأخا كُلّ غُربةٍ إلا أني لمْ أكُنْ أقطَعُ وادِياً ولا أشهَدُ نادِياًمجلساً إلا لاقْتِباسِ الأدَبِ المُسْليمخفف الهم عنِ الأشْجانِالأحزان المُغْليزائد القيمة قيمَةَ الإنسانِ

حتى عُرِفَتْ لي هذه الشِّنْشِنَةُالطبع وتناقلَتْها عني الألسنَةُ وصارتْ أعْلَقَألصق بي منَ الهوى ببَني عُذْرَةَناحية والشّجاعَةِ بآلِ أبي صُفرَةَ

فلمّا ألْقَيتُ الجِرانَ بنَجْرانَ واصطَفَيتُ بها الخُلاّنَ والجيرانَ تخِذْتُ أندِيَتَها مُعتَمَري وموسِمَ فُكاهَتي وسمَري فكنْتُ أتعَهّدُها صَباحَ مساء وأظهَرُ فيها على ما سرّ وساء

فبَينَما أنا في نادٍ محْشودٍمزدحم ومحْفِلٍ مشْهودٍ

إذ جثَمَركع لدَيْنا هِمٌّرجل كبير علَيهِمقبض الميزان هِدْمٌ فحَيّا تحيّةَ ملِقٍتودد بلِسانٍ ذلِقٍفصيح

ثمّ قال: يا بُدورَ المَحافِلِ وبحورَ النّوافِلِالخير الكثير قد بيّنَ الصّبْحُ لِذي عيْنَينِ ونابَ العِيانُ مَنابَ عدْلَينِ فماذا تَروْنَ في ما ترَوْنَ؟ أتُحسِنونَ العَوْنَ أم تنأوْنَتبتعدون

إذْ تُدعَوْنَ؟

فقالوا: تاللهِ لقَدْ غِظْتَأغضبت ورُمْتَ أن تُنبِطَتستخرج فغِضْتَ فناشَدَهُمُ اللهَ عمّاذا صدّهُمْصرفهم

حتى استَوجَبَ ردَّهُمْ

فقالوا: كنّا نتَناضَلُنترامى بالألْغازِ كما يُتَناضَلُ يومَ البِرازِالقتال فما تمالَكَما أبطأ أن شعّثَغبّر منَ المَنْضولِالمرميّ وألْحَقَ هذا الفضْلَ بنمَطِ الفُضولِ فلَسَنَتْهُأخذه بلسانه لُسْنُفصاحة القوْمِ ووَخَزوهُ بأسنّةِ اللّوْمِ وأخذَ هوَ يتنصّلُ من هَفوَتِهِسقطته ويتندّمُ على فَوْهَتِهِكلمته وهُمْ مُضِبّونَمقيمون ملتزمون على مؤاخذَتِهِإنشاب الشر ومُلَبّونَ داعيَ مُنابَذَتِهِمتاركته ومهاجرته

الى أن قالَ لهُمْ: يا قومِ إنّ الاحتِمالَالصبر على الجفاء منْ كرَمِ الطّبْعِ فعَدّوا عنِ اللّذْعِإحراق القلب والقَذْعِ

ثمّ هلُمّ الى أن نُلغِزَنعمي الكلام ونُحكّمَ المُبرِّزَالغالب فسكنَ عندَ ذلِك توقُّدُهُمْ وانحَلّتْ عُقدُهمْ ورَضوا بما شرَطَ عليهِمْ ولَهُمْ واقتَرَحوا أنْ يكونَ أوّلَهُمْ فأمْسكَ ريْثَمابطء يُعقَدُ شِسْعٌشراكة النعل أو يُشَدّ نِسْعٌشراكة مضفورة

ثمّ قال: اسمَعوا وُقيتُمُكفيتم الطّيشَخفة العقل ومُلّيتُمُ العيْشَ

وأنشدَ مُلغِزاً في مِروَحَةِ الخيْشثياب خشنة:

وجارِيَةٍ في سيرِها مُشمَعِلّةٍسريعة الذهاب

ولكِنْ على إثْرِ المَسيرِ قُفولُهارجوعها

لها سائِقٌالذي يسوقها من جِنسِها يستَحثّهايستعجلها

على أنهُ في الإحتِثاثِ رَسيلُهامرسلها

تُرى في أوانِ القَيظِوقت الصيف تنظُفُ بالنّدى

ويَبدو إذا ولّىأدبر المَصيفُ قُحولُهايبسها

ثمّ قال: وهاكُمْ يا أولي الفضْلِ ومَراكِزَ العقْلِ

وأنشَدَ مُلغِزاً في حابولِ النّخْلِ:

ومُنتَسِبٍ الى أمٍّ

تَنَشّا أصْلُهُ منْها

يعانِقُها وقد كانتْ

نفَتْهُ بُرهَةً عنْها

بهِ يتوصّلُ الجاني

ولا يُلْحى ولا يُنْهى

ثمّ قال: ودونَكُمُ الخَفيّةَ العلَمِالرقم في الثوب المُعتَكِرَةَالشديدة السواد الظُلَمِ

وأنشدَ مُلغِزاً في القلَمِ:

ومأمومٍ بهِ عُرِفَ الإمامُ

كما باهَتْافتخرت بصُحْبَتِهِ الكِرامُالكتبة

لهُ إذ يرتَوي طَيْشانُ صادٍجولان عاطش

ويسكُنُ حينَ يعْروهُيقصده الأُوامُالعطش

ويُذْري حين يُستَسْعى دُموعاً

يرُقْنَيعجبن كما يروقُ الإبتِسامُ

ثمّ قال: وعلَيْكُمْ بالواضِحَةِ الدّليلِ الفاضِحَةِ ما قيلَ

وأنشدَ مُلغِزاً في المِيلِالمرود:

وما ناكِحٌ أُختَينِ جَهْراً وخُفيَةً

وليسَ عليهِ في النّكاحِ سَبيلُ

متى يغْشَيدخل لها هذي يغْشَ في الحالِ هذه

وإنْ مالَعدل وزال بعْلٌ لمْ تجِدْهُ يَميلُ

يَزيدُهُما عندَ المَشيبِمره العين تعهّداًتفقّدا

وبِرّاً وهذا في البُعولِ قَليلُ

ثم قال: وهذِهِ يا أولي الألْبابِأهل العقول مِعْيارُمقياس الآدابِ

وأنشَد مُلغِزاً في الدّولابِالناعورة:

وجافٍ وهْوَ موْصولٌ

وَصولٌكثير الوصل ليسَ بالجافي

غَريقٌ بارِزٌ فاعْجَبْ

لهُ منْ راسِبٍ طافِ

يسُحّيصبّ دُموعَ مهْضومٍينقص

ويهْضِمُ هَضْمَ مِتْلافِمبذّر للمال

وتُخْشى منهُ حِدّتُهُسرعة جريه

ولكِنْ قلبُهُ صافِ

قال: فلمّا رشَقَ بالخَمْسِ التي نسَقَ

قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ

ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ

أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ

فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ وانخَزَلَ خصْمُهُ

ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ

وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِالملففة:

ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهرِها

وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَمُّ

تُقرَّبُ أحياناً لأجْلِ جَنينِهاولدها

وكمْ ولدٍ لوْلاهُ طُلّقَتِ الأمُّ

وتُبعَدُ أحياناً وما حالَ عهدُهاقربها

وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهدُه ظُلمُ

إذا قَصُرَ الليلُ استُلِذّ وصالُها

وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ

لها ملبَسٌ بادٍ أنيقٌمعجب مبَطَّنٌ

بما يُزْدَرىيحتقر لكنْ لِما يُزْدرى الحُكمُتبريد الماء

ثم كشَرَكشف عن أنيابِهِأضراسه الصُفْرِلون أصفر

وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:

ومرهوبِ الشَّباالحدّ نامٍطال

وما يرْعى ولا يشرَبْ

يُرى في العَشْرِالأصابع دونَ النّحْ

رِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ

ثم تخازرَنظر بمؤخر عينيه تخازُرَ العِفْريتِشيطان مؤذي

وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِقضبان الكِبريتِ:

وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى

وما منْها إذا فكّرْتَ بُدُّ

لها رأسانِ مُشتَبِهانِمتشابهان جِداًكثيراً

وكُلٌ منهُما لأخيهِ ضِدُّمباعد

تعذَّبُ إن هُما خُضِباغمسا وتُلغى

إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ

ثمّ تخمّطَتكبر وتهيأ للقول تخمُّطَ القَرْمِفحل الإبل

وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:

وما شيءٌ إذا فسَدا

تحوّلَ غيُّهُ رشَدا

وإنْ هوَ راقَ أوصافاً

أثارَ الشرّ حيثُ بَدا

زَكيُّ العِرقِ والِدُهُ

ولكِنْ بِئْسَ ما ولَدا

ثمّ اعتَضَدَاستند عَصا التَّسيارِالسير

وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِميزان:

وذي طَيشَةٍخفة شِقُّهُجانبه مائِلٌ

وما عابَهُ بهِما عاقِلُ

يُرى أبداً فوقَ عِلّيّةٍ

كما يعْتَلي المَلِكُ العادِلُ

تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ

وما يستَوي الحقُّ والباطلُ

وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ

كما ينظُرُ الكَيّسُالحاذق الفاضِلُ

تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً

وقدْ عرَفوا أنّهُ مائِلُ

قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ الى أن طالَ الأمَدُ وحصْحَصَ الكمَدُ

فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى

قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ أو استِسلامُ الغَبيّ؟

فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ فتحَكّمْ كيفَ شيتَ وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً

ثمّ فتَح الأقفالَ ورسمَ الأغْفالَ وحاولَ الإجْفالَ فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ

وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ

ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:

سَروجُ مطْلِعُ شمْسي

وربْعُ لَهْوي وأُنسي

لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمي

بها ولَذةَ نفْسي

واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً

أمَرَّ يومي وأمْسي

ما لي مقَرٌّ بأرضٍ

ولا قَرارٌ لعَنْسيْ

يوماً بنَجدٍ ويوْماً

بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي

أُزْجي الزّمانَ بقوتٍ

منغّصٍمكدّر مُستَخَسّمستهجن

ولا أبيتُ وعندي

فلْسٌمال ومَنْ لي بفَلْسِ

ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي

باعَ الحياةَ ببخْسِ

ثم إنّهُ اخْتَبَن خُلاصَةَ النّضّ وندرَ ضارِباً في الأرضِ فناشدْناهُ أن يعودَ وأسْنَيْنا لهُ الوعودَ فلا وأبيكَ ما رجعَ ولا التّرغيبُ لهُ نجعَنفع