← المقامات
المقامة الحادية والأربعون

المقامة التنيسية

١٠ دقائق

حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أطَعْتُ دَواعيَالبواعث التّصابيتكلف الشباب في غُلَواءأول الشباب شَبابي فلمْ أزَلْ زِيراًكثير الزيارة للغِيدِ وأُذُناً للأغارِيدِ الى أن وافَىأتى النّذيرُالشيب وولّى العيشُ النّضيرُالناعم فقَرِمْتُ الى رُشْدِ الانتِباهِ

وندِمْتُ على ما فرّطْتُأهملت في جنْبِ اللهِ

ثمّ أخذْتُ في كسْعِ الهَناتِالمساوئ بالحَسَناتِ وتلافي الهفَواتِالزلات قبلَ الفَواتِالموت فمِلْتُ عنْ مُغاداةِالخداع الغاداتِالفتيات الى مُلاقاةِالاجتماع التُّقاةِالمتقون وعنْ مُقاناةِالمصاحبة القَيْناتِالمغنيات الى مُداناةِالاقتراب أهلِ الدّياناتِالمتدينون وآلَيتُ أن لا أصْحَبَ إلا مَنْ نزَعَترك عنِ الغَيّالضلال وفاءَتمام منشَرُهُانتشاره الى الطّيّضمه وإنْ ألْفَيْتُوجدت منْ هوَ خَليعُطائش الرّسَنِاللجام مَديدُطويل الوسَنِالنوم أنْأيْتُأبعدت داري عن دارِهِ وفرَرْتُ عنْ عَرّهِعيبه وعارِهِ

فلمّا ألقَتني الغُربَةُ بتِنّيسَ وأحَلّتني مسجِدَها الأنيسَ رأيتُ بهِ ذا حَلقَةٍواعظ أحاط به الناس مُلتَحمَةٍمنضمة ملتصقة ونظّارَةٍ مُزدَحِمةٍ وهوَ يقولُ بجأشٍ مَكينٍو ولِسنٍ

مُبينٍمفصح: مِسكينٌ ابنُ آدمَ وأيُّ مِسكينٍ ركَنَسكن ولجأ من الدّنيا الى غيرِ رَكينٍثابت واستَعصَمَ منها بغيرِ مَكسنٍ وذُبِحَ من حُبّها بغيرِ سِكّينٍ يَكْلَفُيولع بها بها لغَباوَتِهِجهل ويَكْلَبُ عليْها لشَقاوَتِهِ ويعْتَدّ فيها لمُفاخرَتِهِ ولا يتزوّدُ منها لآخرتِهِ أُقسمُ بمَنْ مرَجَخلط البَحرَينِ ونوّرَ القمَرَينِالشمس والقمر ورفَعَ قدْرَ الحجريْنِالذهب والفضة لوْ عقَلَ ابنُ آدَمَ لما نادَمَصاحب ولوْ فكّرَ في ما قدّمَ لبَكى الدّمَ ولوْ ذكَرَ المُكافاةَ لاستَدرَكَ ما فاتَ ولوْ نظَرَ في المآلِالمرجع لحسّنَ قُبْل الأعْمالِ يا عجَباً كلَّ العجَبِ لمَنْ يقتَحِمُيتجامى فيها ذاتَ اللهَبِصاحبة النار في اكْتِنازِ الذّهبِ وخزْنِ النّشَبِ

لذوي النّسَبِ

ثمّ منَ البِدْعِالحدث العَجيبِ أن يعِظَكَ وخْطُاختلط المشيبِ وتؤذِنُ شمسُكَ بالمَغيبِنفسك بالذهاب ولستَ ترى أن تُنيبَترجع وتهذّبَ المَعيبَالكثير العيب

ثمّ اندفَعَ يُنشِدُ

إنشادَ منْ يُرشِدُيهدي:

يا ويْحَ مَنْ أنذرَهُحذّره شَيبُهُ

وهوَ على غَيّضلال الصِّباالشباب منكَمِشْمنقبض

يعْشويتخبط الى نارِ الهَوى بعْدَما

أصبَحَ من ضُعْفِ القُوى يرتَعِش

ويمتَطي اللهْوَ ويعْتَدُّهُ

أوْطأ ما يفتَرِشُ المُفتَرِشْالمضطجع على الفراش

لم يهَبِيخاف الشّيبَ الذي ما رأى

نجومَهُ ذو اللُّبّالعقل إلا دُهِشْتحيّر

ولا انتهَى عمّا نَهاهُ النُهىالعقول

عنهُ ولا بالى بعِرْضٍ خُدِشْذم وسب

فذاكَ إنْ ماتَ فسُحْقاً لهُهلاكا له

وإن يعِشْ عُدّ كأنْ لمْ يعِشْ

لا خيْرَ في مَحْيا امرئٍ نشْرُهُ

كنَشْرِ ميْتٍ بعدَ عشْرٍ نُبِشْإخراج الميت

وحبّذا مَن عِرضُهُظاهره طيّبٌ

يَروقُ حُسْناً مثلَ بُرْدٍ رُقِشْ

فقُلْ لمَن قد شاكَهُأضجره ذنبُهُ

هلَكْتَ يا مِسكينُ أو تنتَقِشْتُستخرج

فأخْلِصِ التّوبَةَ تطمِسْتمحو بها

منَ الخَطايا السودِ ما قد نُقِشْمكتوب

وعاشِرِ الناسَ بخُلقٍ رِضًى

ودارِ منْ طاشَضلّ ومنْ لم يطِشْ

ورِشْ جَناحَ الحُرّ إنْ حَصّهُأصابه

زمانُهُ لا كانَ منْ لم يرِشْ

وأنجِدِ الموْتورَالمظلوم ظُلماً فإنْ

عجِزْتَ عن إنْجادِهِ فاستجِشْ

وانعَشْ إذا ناداكَ ذو كَبوَةٍعثرة

عساكَ في الحشْرِالقيامة بهِ تنتَعِشْترتفع

وهاكَ كأسَ النُصْحِ فاشرَبْ وجُدْحزن

بفَضْلَةِ الكأسِ على مَنْ عطِشْظمأ

قال: فلمّا فرَغَ من مُبكِياتِهِ وقضَى إنشادَ أبياتِهِ نهضَ صبيٌّ قد شدَنَ وأعْرى البَدَنَ

وقال: يا ذَوي الحَصاةِ والإنْصاتِ الى الوَصاةِ قد وعَيْتُمُ الإنشادَ وفقِهتُمُ الإرْشادَ فمَن نَوى منكُمْ أن يقْبَلَ ويُصلِحَ المُستَقبَلَ فلْيُبِنْ ببِرّي عنْ نِيّتِهِ ولا يعدِلْ عني بعَطيّتِهِ فوالذي يعلَمُ الأسرارَ ويغفِرُ الإصْرارَ إنّ سرّي لكَما تَرَوْنَ وإنّ وجهي ليَستَوْجِبُ الصّوْنَحوطة فأعينوني رُزِقْتُمُ العوْنَ

قال: فأخذَ الشيخُ في ما يعطِفُيجذب القلوب عليْهِ القُلوبَ ويُسَنّي لهُ المطْلوبَ

حتى أنْبَطَيستخرج الماء حَفرُهُ واعْشَوشَبَ قَفْرُهُأرض قاحلة

فلمّا أنْ ترِعَامتلأ الكيسُوعاء الدراهم انصَلَتَانسلّ يميسُيتبختر ويحمَدُ تِنّيسَ ولمْ يحْلُ للشيخِ المُقامُ بعْدَما انْصاعَذهب مسرعاً الغُلامُ فاستَرْفَعَ الأيْدي بالدّعاء

ثمّ نَحاقصد نحْوَ الانكِفاءالانصراف

قال الراوي: فارتَحْتُ الى أن أعجُمَهُ وأحُلَّ مُترجَمَهُ فتَبعتُهُ وهو يشتَدّاشتدّ في سمْتِهِ ولا يفْتُقُ رتْقَ صمتِهِ

فلمّا أمِنَ المُفاجيَ وأمكَنَ التّناجي لفَتَ جيدَهُ إليّ وسلّمَ تسْليمَ البَشاشَةِطلاقة الوجه عليّ

ثمّ قال: أراقَكَأأعجبك ذكاءُتوقّد الذهن ذاكَ الشُّوَيْدِنِتصغير شادن؟

فقلتُ: إي والمؤمِنِ المُهَيمِنِالرقيب الحافظ! قال: إنهُ فتى السّروجيّ

ومُخرِجِ الدُّرّ منَ اللُّجّيّمن البحر العميق! فقلْتُ: أشهَدُ إنّكَ لَشَجرَةُ ثمرَتِهِ وشُواظُ شرَرَتِهِ فصدّقَ كَهانَتيحدسي واستَحْسَنَ إبانَتيبياني

ثمّ قال: هل لكَ في ابتِدارِالبدء البيتِ لنَتنازَعَ كأسَ الكُمَيتِالنبيذ الأحمر؟

فقلتُ لهُ: ويْحَكَ أتأمُرونَ الناسَ بالبِرّ وتَنسَوْنَ أنفُسَكُمْ؟ فافتَرّ افتِرارَ مُتَضاحِكٍ ومرّ غيرَ مُماحِكٍ

ثمّ بَدا لهُ أنْ تَراجَعَ إليّ

وقال: احفَظْها عني وعليّ:

إصْرِفْ بصِرْفِ الرّاحِ عنكَ الأسى

وروّحِ القلْبَ ولا تكتَئِبْ

وقلْ لمَنْ لامكَ في ما بِهِ

تدفعُ عنكَ الهمّ قدْكَ اتّئِبْ

ثمّ قال: أمَا أنا فسأنطَلِقُ الى حيثُ أصطَبِحُيشرب صباحاً وأغْتَبِقُ وإذا كُنتَ لا تَصحَبُ ولا تُلائِمُتوافق مَن يطرَبُ فلسْتَ لي برَفيقٍ ولا طريقُكَ لي بطَريقٍ فخَلّ سَبيلي ونكّبْ ولا تُنقّرْتبحث عني ولا تُنقّبْتفتش

ثمّ ولّىذهب مُدْبِراً ولمْ يُعَقّبْينظر

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فالْتَهَبْتُاشتعلت وجْداً عندَ انطِلاقِهِ ووَدِدْتُ لوْ لمْ أُلاقِهِ