حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: هَفاطار، خفّ بيَ البينُالفراق المطَوِّحُالمبعد والسيرُ المبرِّحُالشاق الى أرضٍ يضِلّيتوه بها الخِرّيتُالدليل وتفْرَقُ فيها المصاليتُالشجعان فوجَدتُ ما يجِدُ الحائِرُالمتحيّر الوحيدُ ورأيتُ ما كُنتُ منه أحيدُأخاف إلا أني شجّعْتُ قلْبيَ المَزْؤودَ ونسأتُ نِضْوِيَبعيري المجْهودَالمتعب وسِرْتُ سيرَ الضّارِبِ بقِدْحَينِ المُستَسلِمِ للحَينِالهلاك ولمْ أزَلْ بينَ وخْدٍ وذَميلٍ وإجازَةِ مِيلٍ بعْدَ ميلٍ الى أن كادَتِ الشمْسُ تجِبُتغيب والضّياءُ يحتجِبُيختفي فارْتَعْتُ لإظْلالِ الظّلامِ واقتِحامِ جَيشِ حامٍخطر ولمْ أدْرِ أأكْفِتُ الذّيلَ وأرتبِطُ أم أعتَمِدُأقصد اللّيلَ وأختَبِطُ؟ وبيْنا أنا أقلّبُ العزْمَ وأمتَخِضُ الحزْمَ تَراءى لي شبَحُخيال جمَلٍ مُستَذْرٍ بجبَلٍ فترَجّيتُهُ قُعْدَةَسند مُريحٍ وقصدْتُهُ قصْدَ مُشيحٍعازم
فإذا الظّنّ كَهانَةٌ والقُعدَةُ عَيرانَةٌصلبة والمُريحُ قدِ ازْدَمَلَالتف ببِجادِهِ واكتَحَلَ برُقادِه فجلَسْتُ عندَ راسِهِ
حتى هبّ منأنعم نُعاسِهِ
فلمّا ازْدَهَرَأشرق سِراجاهُ وأحَسّ بمَنْ فاجاهُ
نفَرَ كما ينفِرُ المُريبُ
وقال: أخوكَ أمِ الذّيبُ؟
فقلتُ: بلْ خابِطُسائر ليْلٍ ضَلّ المسلَكَ فأضِئْ أقْدَحْ لكَ
فقال: ليَسْرُ عنكَ همُّكَ فرُبّ أخٍ لكَ لمْ تلِدْهُ أمُكَ فانْسرَى عندَ ذلِكَ إشْفاقي وسرَى الوسَنُالنعاس الى آماقيعيوني
فقال: عندَ الصّباحِ يحْمَدُ القومُ السُّرىالسير ليلاً فهلْ تَرى كما أرى؟
فقلتُ: إني لكَ لأطْوَعُ منْ حِذائِكَ وأوْفَقُ من غِذائِكَ فصَدَعَ بمحبّتي وبخْبَخَ بصُحْبَتي
ثمّ احتَمَلْنا مُجِدَّينِمجتهدين وارتَحلْنا مُدلِجَيْنِماشيين ليلاً ولمْ نزَلْ نُعانينقاسي السُّرىالسير ليلاً ونُعاصي الكَرىالنوم الى أنْ بلغَ الليلُ غايتَهُ ورفَعَ الفجْرُ رايتَهُ
فلمّا أسْفرَأضاء الفاضِحُالصبح ولمْ يبْقَ إلا واضِحٌ توسّمتُنظرت رفيقَ رِحلَتي وسَميرَ لَيلَتي
فإذا هوَ أبو زيدٍ مطلَبُ النّاشِدِما يُطلب ومَعلَمُ الرّاشِدِ فتهادَيْنا تحيّةَ المُحبّينِ
إذا التَقَينا بعْدَ البيْنِ
ثمّ تباثَثْناتبادل الأسرار الأسْرارَ وتناثَثْنا الأخْبارَ وبَعيري ينحِطُيضعف منَ الكِلالِالتعب وراحِلَتُهُ تزِفُّتسير بخفة زَفيفَسرعة الحركة الرّالِحركة سريعة فأعْجَبَني اشْتِدادُ أمرِها وامتِدادُ صبرِها فأخَذْتُ أستَشِفُّأتبين جوهرَهاحقيقتها وأسألُهُ منْ أين تخيّرَهااختارتها
فقال: إنّ لهذِهِ النّاقَةِ خبَراً حُلْوَ المَذاقَةِالطعم مليحَ السّياقَةِحسن السرد فإنْ أحببْتَ استِماعَهُ فأنِخْأبرك وإنْ لمْ تشأ فلا تُصِخْتستمع فأنَخْتُ لقولِه نِضْوي وأهدَفْتُ السّمْعَ لما يَروي
فقال: اعْلَمْ أني استَعرَضْتُها بحَضْرَمَوْتَ وكابدْتُ في تحصيلِها الموْتَ وم زِلتُ أجوبُ علَيها البُلدانَ وأطِسُ بأخفافِها الظِّرّانَالأرض الصلبة الى أنْ وجدْتُها عُبْرَ أسفارٍرحلات وعُدَّةَ قرارٍمكان ثابت لا يلحَقُها العَناءُ ولا تُواهِقُها وجْناءُالإبل القوية ولا تدْري ما الهِناءُ فأرْصَدتُها للخَيرِ والشرّ وأحلَلْتُها محَلَّ البَرّ السَّرّ فاتّفَقَ أن ندّتْهربت مُذْ مُدةٍ وما لي سِواها قُعدَةٌ فاستشْعَرْتُ الأسَفَ واستَشرفْتُ التّلَفَ ونسيتُ كُلّ رُزْءٍمصيبة سلَفَ ومكثت ثلاثا لا استطيع انبعاثانهوضا ولا اطعم النوم الا حثاثا
ثمّ أخذْتُ في استِقْراءتتبع المَسالِكِطرق وتفقُّدِ المسارِحِمواضع الرعي والمَبارِكِ وأنا لا أستَنْشيأشم منها ريحاً ولا أستَغْشيأتقنع يأساً مُريحاً وكلّما ادّكَرْتُ مضاءهاسرعتها في السيرِ وانبِراءها لمُباراةِ الطّيرِ لاعَني الادّكارُ واستَهوَتْني الأفكارُ
فبَينَما أنا في حِواءوسط بعضِ الأحْياءِ إذْ سمِعْتُ منْ شخْصٍ متبَعِّدٍبعيد
وصوْتٍ متجرِّدٍمنفرد: منْ ضَلّتْ لهُ مطيّةٌدابة حضرَميّةٌنسبة لحضرموت وطِيّةٌ جِلدُها قد وُسِمَ وعَرُّهاخشونة قد حُسِمَ وزِمامُها قد ضُفِرَ وظهرُها كأنْ قد كُسِرَ ثم جُبِرَ تَزينُ الماشيَةَ وتُعينُ النّاشيَةَ وتقطَعُ المَسافَةَ النّائِيَةَ وتظَلّ أبداً لكَ مُدانِيةًمقربة لا يعتَوِرُهايصاب بها الوَنىالفتور ولا يعترِضُهايمنع بها الوَجىخشونة الارض ولا تُحْوِجُتحتاج الى العَصا ولا تَعْصي في مَنْ عصى
قال أبو زيدٍ: فجذَبَني الصوتُ الى الصّائِتِالصوت وبشّرَني بدرَكِ الفائِتِالضائع
فلمّا أفْضَيْتُوصلت إليْهِ وسلّمْتُ علَيْهِ
قلتُ لهُ: سلّمِ المطيّةَناقة وتسلّمِ العطيّةَ
فقال: وما مطِيّتُكَدابتك غُفِرَتْ خطِيّتُكَ؟
قلت له: ناقَةٌ جُثّتُهاجسدها كالهَضْبَةِ وذِروَتُه كالقُبّةِ وجلَبُها مِلْءُ العُلبَةِإناء جلود وكنتُ أُعطيتُ بها عِشرينَ
إذ حللْتُ يَبرينَأرض رمل فاستَزَدْتُ الذي أعطى ودريْتُ أنهُ أخْطا
قال: فأعْرَضَ عني حينَ سمِعَ صِفَتي
وقال: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ
وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتيمركبي بطِلْبِكَ فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ وعدّ عنْ سبّكَ وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ البَريء من الغَيّالضلال فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ وإن زَواهانحّاها عنْكَ فلا تتكلّمْ فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي ولا مَساغَمتسع غُصّتي إلا أنْ آتيَ الحكَمَ ولوْ لكَمَ فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِوقور النِّصْبَةِهيئة أنيقِمعجب العِصْبَةِهيئة العمامة يؤنَسُيبصر منهُ سُكونُ الطائِرِ وأنْ ليسَ بالجائرِ فاندَرأتُ أتظلّمُأتشكّى الظلم وأتألّمُ وصاحبي مُرِمٌّصامت لا يترَمْرَمُيتحرك
حتى إذا نثلْتُاستخرجت كِنانَتيجعبتي وقضَيْتُ من القَصَصِذكر الخبر لُبانَتيبياني أبرَزَأظهر نعْلاً رَزينَةَثقيلة الوزْنِ مَحْذوّةًموافقة لمسلَكِ الحَزْنِأرض غليظة
وقال: هذهِ التي عرّفْتُصحت بها وإياها وصَفْتُ فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ وها هوَ من المُبصِرينَ فقدْ كذَبَ في دعْواهُ وكبُرَ ما افتَراهُادّعاء اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُناصيته ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُقول
فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ غَفْراًمغفرة وجعلَ يقلّبُ النّعْلَآلة للضرب بطْناً وظهْراً
ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ
فقُمْتُ وقلت: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ
وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتي بطِلْبِكَ فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ وعدّ عنْ سبّكَ وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ البَريء من الغَيّ فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ وإن زَواها عنْكَ فلا تتكلّمْ فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي ولا مَساغَ غُصّتي
إلا أنْ آتيَ الحكَمَ ولوْ لكَمَ فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِ النِّصْبَةِ أنيقِ العِصْبَةِ يؤنَسُ منهُ سُكونُ الطائِرِ وأنْ ليسَ بالجائرِ فاندَرأتُ أتظلّمُ وأتألّمُ وصاحبي مُرِمٌّساكت لا يترَمْرَمُ
حتى إذا نثلْتُ كِنانَتي وقضَيْتُ من القَصَصِ لُبانَتي أبرَزَ نعْلاً رَزينَةَ الوزْنِ مَحْذوّةً لمسلَكِ الحَزْنِ
وقال: هذهِ التي عرّفْتُ وإياها وصَفْتُ فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ وها هوَ من المُبصِرينَ فقدْ كذَبَ في دعْواهُ وكبُرَ ما افتَراهُ اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُعنقه ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُ
فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ غَفْراً وجعلَ يقلّبُ النّعْلَ بطْناً وظهْراً
ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ
فقُمْتُ وقلت:
أُقسِمُ بالبيتِ العَتيقِ ذي الحُرَمْ
والطائِفينَ العاكِفينَالمقيمين في الحَرَمْ
إنّك نِعْمَ منْ إليْهِ يُحتكَمْ
وخيرُ قاضٍ في الأعاريبِأهل البادية حكَمْ
فاسلَمْ ودُمْ دوْمَ النّعامِ والنَّعَمْ فأجابَ من غيرِ رويّةٍتفكير ولا عَقْدِ نيّةٍتدبير
وقال:
جُزيتَ عن شُكرِكَ خيراً يا ابنَ عمْ
إذ لستُ أستَوجبُ شكراً يُلتَزَمْ
شرُّ الأنامِ منْ إذا استُقْضي ظلمْ
ثمّ مَنِ استُرْعيجعل راعيا فلمْ يرْعَ الحُرَمْ
فذانِفهذان والكَلْبُ سَواءٌ في الفِيَمْ ثمّ إنهُ نفّذَ بينَ يدَيّ منْ سلّم النّاقَةَ إليّ ولمْ يمْتَنّيعتدّها منّة عليّ فرُحْتُ نَجيحَ الأرَبِالغرض أجُرّ ذيْلَ الطّرَبِ
وأقولُ: يا لَلْعَجَبِ! قال
الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ تاللهِ لقدْ أطْرَفْتَأمر عجيب وهرَفْتَ بما عرَفْتَ فناشَدتُكَ اللهَ هلْ ألفَيْتَ أسْحَرَأخرج في السحر منكَ بلاغَةً وأحسَنَ للّفْظِ صِياغَةًصنعة وسبك؟
فقال: اللهُمّ نعَمْ فاستَمِعْ وانْعَمْ كُنتُ عزَمْتُ حين أتْهَمْتُأتيت تهامة على أن أتّخِذَ ظَعينَةًزوجة لتكونَ لي مُعينَةً فحينَ تعيّنَتحقق الخِطْبُالنكاح المُلِبّ وكادَ الأمرُ يستَتِبّيتم أفْكَرْتُ فكْرَ المتحرِّزِ منَ الوهْمِالغلط المتأمِّلِالناظر كيفَ مَسقِطُ السّهْمِ وبِتُّ ليلَتي أُناجي القلْبَ المعذَّبَ وأقلّبُ العزْمَ المُذَبذَبَالمضطرب الى أن أجمَعْت على أن أُسْحِرَ وأُشاوِرَ أوّلَ منْ أُبصِرُ
فلمّا قوّضَتِهدمت الظُّلمَةُ أطْنابَها وولّتِ الشُّهُبُالنجوم أذْنابَها غدَوْتُ غُدُوَّ المتعرِّفِالمكتسب وابتكرْتُ ابتِكارَ المتعيِّفِالزاجر فانْبَرى لي يافِعٌفتى شاب في وجْهِهِ شافِعٌحسن الوجه
فتيمّنْتُ بمنظَرِهِ البَهيجِالحسن واستَقْدَحْتُ رأيَهُ في التّرويجِ
فقال: أوَتبْغيها غَواناً أم بِكْراًعذراء تُعانىتعالج؟
فقلتُ: اختَرْ لي ما تَرى فقدْ ألْقَيتُ إليكَ العُرى
فقال: إليّ التّبيينُ وعليْكَ التّعيينُ فاسمَعْ أنا أفْديكَ بعْدَ دفْنِ أعاديكَ أما البِكرُفتاة فالدُرّةُ المخزونَةُ والبَيضَةُ المَكنونَةُ والباكورَةُ الجَنِيّةُ والسُلافَةُ الهَنيّةُ والروْضَةُ الأُنُفُلم تدخل والطّوْقُ الذي ثمُنَكثر ثمنه وشرُفَ لمْ يُدَنّسْها لامِسٌالذي يلمس ولا تسَغْشاها لابِسٌ ولا مارسَهاعالجها عابِثٌمفسد ولا وكَسَهانقصها طامِثٌناكح ولها الوجهُ الحَييّ والطّرْفُ الخفيّ واللّسانُ العَيِيّ
والقلْبُ النّقيّ
ثمّ هيَ الدُمْيَةُصورة المُلاعِبَةُ واللّعْبَةُ المُداعِبَةُممازحة والغَزالَةُ المُغازِلَةُمغازلة والمُلْحَةُ الكامِلَةُ والوِشاحُ الطاهرُ القَشيبُثوب رفيع والضّجيعُ الذي يُشِبُّيرد شابا ولا يُشيبُيكسب شيبا وأما الثّيّبُغير البكر فالمَطيّةُ المذَلّلَةُ واللُّهْنَةُ المعَجّلَةُ والبِغْيَةُ المُسهَّلَةُ والطّبّةُ المُعلِّلَةُمطيبة والقَرينةُ المتحبِّبَةُ والخَليلَةُ المتقرِّبَةُ والصَّناعُ المدَبِّرَةُ والفَطْنَةُ المختَبِرَةُ
ثمّ إنّها عُجالَةُعجالة الراكب الرّاكِبِ وأُنشوطَةُ الخاطِبِ وقُعدَةُراحة العاجز العاجِزِ ونُهْزَةُ المُبارِزِ عريكَتُهاطبيعتها لَيّنَةٌ وعُقلَتُها هيّنَةٌ ودِخلَتُها متَبيِّنَةٌ
وخِدمَتُها مزيِّنَةٌ وأقسِمُ لقد صدَقْتُ في النّعتَينِ وجلَوْتُ المَهاتَينِ فبأيّتِهِما هامَ قلبُكَ؟
قال أبو زيد: فرأيتُهُ جندَلَةً يتّقيها المُراجِمُما يُرجم به وتُدمى منها المَحاجِمُ
إلا أني قلتُ له: كُنتُ سمعتُ أن البِكْرَ أشَدُّ حُبّاً وأقلُّ خِبّاًمكر وخديعة
فقال: لعَمْري قد قيلَ هذا
ولكِنْ كمْ قوْلٍ آذى! ويْحَكَ أمَا هيَ المُهرَةُ الأبيّةُالممتنعة العِنانِالقياد والمَطيّةُ البَطيّةُ الإذْعانِخضوع وذلة! والزَّنْدَةُ المتعسِّرَةُ الاقْتِداحِإخراج النار والقَلعَةُ المُستَصْعَبَةُ الافتِتاحِ! ثمّ إنّ مؤونَتَها كثيرةٌ ومَعونتَها يَسيرةٌ وعِشْرَتَها صَلِفَةٌمجاوزة الحد ودالّتَها مُكلَّفَةٌ ويدَها خرْقاءلا تحسن العمل وفِتْنَتها صَمّاءشديدة وعَريكتَها خشْناءخشنة صعبة وليلَتَها ليْلاءشديدة السواد طويلة وفي رياضَتِها عَناءٌ وعلى خِبرَتِها غِشاءٌغطاء وستر!
وطالما أخزَتِ المُنازِلَ وفرِكَتِ المُغازِلَ وأحنَقَتِ الهازِلَ وأضرَعَتِ الفَنيقَ البازِلَ
ثمّ إنّها التي تقول: أنا ألْبَسُ وأجلِسُ
فأطلُبُ منْ يُطلِقُ ويحبِسُ! فقلتُ لهُ: فما ترى في الثّيّبِ يا أبا الطّيّبِ؟
فقال: ويْحَكَ أترغبُ في فُضالَةِبقية المآكِلِ وثُمالَةِ المناهِلِ؟ واللّباسِ المُستَبذَلِ والوِعاءِ المُستَعْمَلِ؟ والذّواقَةِ المُتطرِّفَةِمن تذوق الطرف والخَرّاجةِ المتصرِّفَةِالجوّالة؟ والوَقاحِ المتسلِّطَةِمستطيلة اللسان والمُحتَكِرَةِ المتسخِّطةِ؟ ثمّ كلمَتُها كُنتُ وصِرْتُ وطالَما بُغيَ عليّ فنُصِرْتُ وشتّان بين اليومِ وأمْسِ وأينَ القمرُ منَ الشّمسِ؟
وإنْ كانتِ الحَنّانَةَصاحبة ولد غريب البَروكَذات الولد الكبير والطّمّاحَةَ الهَلوكَالفاجرة فهيَ الغُلُّشرك الأسير القَمِلُ
والجُرْحُ الذي لا يندَمِلُيبرأ! فقلتُ له: فهلْ ترى أن أترَهّبَترك الزواج وأسلُكَ هذا المذْهَبَ؟ فانْتَهَرني انتِهارَ المؤدِّبِ عندَ زَلّةِ المتأدِّبِ
ثمّ قال: ويلَكَ أتَقتَدي بالرُّهْبانِ والحقُّ قدِ استَبانَ؟ أُفٍّ لكَ ولوَهْنِ رائِكَ وتبّآً لك ولأولَئِكَ! أتُراكَ ما سمعْتَ بأنْ لا رَهْبانيّةَحياة الزهد في الإسلام أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَصاحبة الصالحةَ تَرُبّتصلح بيتَكَ وتُلبّي صوتَكَ وتغُضّ طرْفَكَ وتطيّبُ عَرفكَرائحتك؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ وريْحانَةَ أنفِكَ وفرْحةَ قلبِكَ وخُلْدَ ذِكرِكَ وتعِلّةَ يومِكَ وغدِكَ فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ ومُتعَةِ المتأهِّلينَ وشِرْعَةِ المُحْصَنينَالعفيفين ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ ما سمِعْتُ من فيكَ
ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ ونَزا نَزَوانَقفز العُنظَبِحركة سريعة
فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراًمتكبرًا وتدعُني متحيِّراًمرتبكًا؟
فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ
لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ ولا أشَبّأشبه قرْنَكَمثيلك! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَموضع رجوع الخَزْيانِالمخزي وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَشجر أنّ الجدَلَالخصام منكَ وإلَيْكَ فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِالمبالغ الطرب
ثم قال: العَقِ العسَلَ ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُأبالغ وأكثر في مدْحِ الأدبِ وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِالمال وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِيحسبني جاهلاً ويُغْضي عني إغْضاءَ المتمهّلِ
فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ للعُصبَةِ الأدبيّةِ
قال لي: صهْاسكت
واسمعْ مني وافْقَهْافهم: ْ لا رَهْبانيّةَ في الإسلام أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَ الصالحةَ تَرُبّ بيتَكَ وتُلبّي صوتَكَ وتغُضّ طرْفَكَ وتطيّبُ عَرفكَ؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ وريْحانَةَ أنفِكَ وفرْحةَ قلبِكَ وخُلْدَ ذِكرِكَ وتعِلّةَ يومِكَ وغدِكَ فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ ومُتعَةِ المتأهِّلينَ وشِرْعَةِ المُحْصَنينَ ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ ما سمِعْتُ من فيكَ
ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ ونَزا نَزَوانَ العُنظَبِ
فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراً وتدعُني متحيِّراً؟
فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ
لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ ولا أشَبّ قرْنَكَ! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَ الخَزْيانِ وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَ أنّ الجدَلَ منكَ وإلَيْكَ فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِ
ثم قال: العَقِ العسَلَ ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُ في مدْحِ الأدبِ وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِ وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِ ويُغْضي عني إغْضاءَ المتمهّلِ
فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ للعُصبَةِ الأدبيّةِ
قال لي: صهْ
واسمعْ مني وافْقَهْ:
يقولونَ إنّ جَمالَ الفتى
وزينَتَهُ أدَبٌ راسِخُثابت
وما إنْ يَزينُ سوى المُكثِرينَالأغنياء
ومنْ طوْدُ سودَدِهِ شامِخُثابت مرتفع
فأما الفَقيرُ فخيْرٌ لهُ
منَ الأدَبِ القُرْصُالخبز والكامِخُ
وأيّ جَمالٍ لهُ أنْ يُقال
أديبٌ يعلِّمُ أو ناسِخُ
ثمّ قال: سيتّضِحُ لكَ صِدْقُ لهجَتيمنطقي واستِنارَةُ حُجّتي وسِرْنا لا نألونقصّر جُهْداًطاقة واجتهادا ولا نستَفيقُ جَهْداًنستريح من المشقة
حتى أدّانا السيرُ الى قريَةٍ عزَبَبعد عنها الخيرُ فدخلْناها للارْتِيادِ وكِلانا منْفِضٌفارغ منَ الزّادِ فما إنْ بلَغْنا المَحَطّمنزل والمُناخَ المخْتَطّمعلم بخط أو لَقيَنا غُلامٌ لمْ يبلُغِ الحِنْثَإثم وعلى عاتِقِه ضِغْثٌحزمة حشيش فحيّاهُ أبو زيدٍ تحيّةَ المُسلمِ وسألَهُ وَقفَةَ المُفهِمِمخبر مبين
فقال: وعمّ تسألُ وفّقكَ اللهُ؟
قال: أيُباعُ هاهُنا الرُّطَبُتمر بالخُطَبِ؟
قال: لا واللهِ! قال: ولا البلَحُ بالمُلَحِ؟
قال: كلا واللهِ
قال: ولا الثّمرُ بالسّمَرِ؟
قال: هيهاتَبعد واللهِ! قال: ولا العَصائِدُ بالقصائدِ؟
قال: اسْكُتْ عافاكَ اللهُ! قال: ولا الثّرائِدُ بالفَرائدِ؟
قال: أينَ يُذهَبُ بكَ أرشَدَكَ اللهُ؟
قال: ولا الدّقيقُ بالمعْنى الدّقيقِ؟
قال: عدّكف عنْ هذا أصْلَحَكَ اللهُ! واستَحْلى أبو زيدٍ تَراجُعَ السّؤالِ والجَوابِ والتّكايُلَ منْ هذا الجِرابِكيس جلدي ولمَحَ الغُلامُ أنّ الشّوطَجري غاية بَطينٌمتسع والشيخَ سُوَيطينٌ
فقال له: حسبُكَيكفيك يا شيخُ قد عرَفْتُ فنّكَنوعك طريقك واستبَنْتُ أنّكَ فخُذِ الجوابَ صُبرَةًجملة بغير كيل
واكْتَفِ بهِ خِبرَةًاختبار: أما بهذا المكانِ فلا يُشتَرى الشِّعرُ بشَعيرَةٍ ولا النّثرُضد النظم بنُثارَةٍ ولا القَصَصُ بقُصاصَةٍ ولا الرّسالَةُ بغُسالَةٍ ولا حِكَمُ لُقْمانَ بلُقمَةٍ ولا أخْبارُ المَلاحِمِ بلَحْمَةٍ وأما جيلُ هذا الزّمانِ فما منهُمْ مَنْ يَميحُ
إذا صيغَ لهُ المديحُ ولا مَنْ يُجيزُ
إذا أُنشِدَذكر الشعر لهُ الأراجيزُ ولا منْ يُغيثُ
إذا أطرَبَهُ الحديثُ ولا منْ يَميرُ ولوْ أنّهُ أميرٌ وعندَهُمْ أنّ مثَلَ الأديبِ كالرّبْعِ الجَديبِ إنْ لم تجُدِ الرّبْعَ ديمَةٌ لمْ تكُنْ لهُ قيمةٌ ولا دانَتْهُ بَهيمةٌ وكذا الأدَبُ إنْ لم يعْضُدْهُ نشَبٌ فدَرْسُهُ نصَبٌ وخزْنُهُ حصَبٌ
ثمّ انسَدَرَ يعْدو وولّى يحْدو
فقال لي أبو زيدٍ: أعَلِمْتَ أنّ الأدَبَ قد بارَكسد وولّتْ أنصارُهُ الأدْبارَ؟ فبُؤتُ لهُ بحُسْنِ البَصيرَةِ وسلّمْتُ بحُكْمِ الضّرورةِ
فقال: دعْنا الآنَ منَ المِصاعِالخصام وخُضْ في حديثِ القِصاعِصحاف الطعام واعْلَمْ أنّ الأسْجاعَالكلام المسجوع لا تُشبِعُ منْ جاعَ فما التّدبيرُ في ما يُمسِكُ الرّمَقَبقية الروح ويُطفِئ الحرَقَألم الجوع؟
فقلتُ: الأمرُ إليْكَ والزّمامُ بيديْكَ
فقال: أرى أنْ ترْهَنَتودع سيفَكَ لتُشبِعَ جوفَكَ وضيفَكَ فناوِلْنيهِ وأقِمْ لأنقَلِبَ إليكَ بما تلْتَقِمُتأكل فأحسنْتُ به الظّنّ وقلّدتُهُ السيفَ والرّهْنَ فما لَبِثَ أنْ ركِبَ الناقَةَ ورفضَ الصّدقَ والصّداقَةَ فمكثْتُ مليّاًطويلا أترَقّبُهُانتظره
ثمّ نهضْتُ أتعقّبُهُاتابعه فكُنتُ كمَنْ ضيّعَ اللّبَنَ في الصّيفِ ولم ألْقَهُ ولا السّيفَ