← المقامات
المقامة الثامنة والأربعون

المقامة الحرامية

١٠ دقائق

روى الحارثُ بنُ همّامٍ عنْ أبي زيدٍ السَّروجيّ قال: ما زِلْتُ مُذ رحَلْتُ عنْسي وارتَحَلْتُ عنْ عِرْسي وغَرْسي أحِنّ إلى عِيانِمشاهدة البَصرَةِ حَنينَ المظْلومِ الى النُصرَةِ لِما أجمَعَ عليْهِ أرْبابُ الدّرايَةِ وأصْحابُ الرّوايَةِ منْ خصائِصِ معالمِها وعُلَمائِها ومآثِرِ مشاهِدِها وشُهَدائِها وأسْألُ اللهَ أن يوطِئَنييجعلني أسير عليها ثَراهاتراب ندي لأفوزَ بمرْآها وأنْ يُمطيَنييركبني قَراهاأسعى إليها لأقْتَري قُراها

فلمّا أحَلّنيهاأنزلني فيها الحظُّ وسرَحَ لي فيها اللّحْظُعين رأيتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةًسرور ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ فغلَسْتُ في بعض الأيامِ حينَ نصَلَ خِضابُ الظّلامِ وهتَفَ أبو المُنذِرِ بالنُّوّامِ لأخْطوَ في خِطَطِهامسالكها وأقْضيَ الوطَرَالحاجة منْ توسُّطِهاالمشي في وسطها فأدّاني الاخْتِراقُالمرور والسلوك في مَسالِكِها والانصِلاتُ في سِككِهاطرقها الى محلّةٍمنزلة موسومَةٍمعلمة بالاحْتِرامِ منسوبَةٍ الى بني حَرامٍ ذاتِ مَساجِدَ مشهودَةٍ وحِياضٍ موْرودَةٍمقصودة للشرب ومَبانٍ وثيقَةٍ ومغانٍ أنيقَةٍحسنة وخصائِصَ أثيرَةٍمفضلة

ومَزايا كثيرةٍ:

بها ما شِئْتَ منْ دِينٍ ودُنْيا

وجيرانٍ تنافَوْاتباعدوا في المعاني

فمَشغوفٌ بآياتِ المثانيأم القرآن

ومفْتونٌ برَنّاتِ المثاني

ومُضْطَلِعٌ بتلْخيصِ المعاني

ومُطّلِعٌ الى تخْليصِ عانِأسير

وكمْ منْ قارِئٍعابد فيها وقارٍ

أضَرّا بالجُفونِ وبالجِفانِ

وكمْ منْ مَعْلَمٍ للعِلْمِ فيها

ونادٍ للنّدى حُلْوِ المَجاني

ومَغْنًى لا تزالُ تغَنُّتصوّت فيهِ

أغاريدُأصوات الغَوانيجميلة والأغاني

فصِلْ إن شِئتَ فيها مَنْ يُصَلّي

وإمّا شِئْتَ فادنُ منَ الدِّنانِخوابي الخمر

ودونَكَ صُحبَةَ الأكياسِأهل الفطنة فيها

أوِ الكاساتِ منطَلِقَ العِنانِمسرّح

قال: فبَينَما أنا أنفُضُ طُرُقَها وأستَشِفُّ رونَقَهاحسنها

إذْ لمحْتُ عندَ دُلوكِزوال الشمس بَراحِ وإظْلالِ الرّواحِ مسجِداً مُشتَهِراً بطَرائِفِهِ مزدَهِراًمضيئا بطوائِفِه وقد أجْرى أهلُهُ ذِكْرَ حُروفِ البدَلِ وجرَوْا في حلْبَةِ الجدَلِالخصام فعُجْتُ نحوَهُمْ لأستَمطِرَ نوّهُمْ لا لأقتَبِسَ نحوَهُمْ فلمْ يكُ إلا كقَبْسَةِ العَجْلانِ

حتى ارتفَعَتِ الأصْواتُ بالأذانِ

ثمّ رَدِفَتبع التّأذينَ بُروزُ الإمامِ فأُغْمِدَتْ ظُبى الكلامِ وحُلّتِ الحِبى للقِيامِ وشُغِلْنا بالقُنوتِ عنِ استِمْدادِطلب القوت القوتِ وبالسّجودِ عنِ استِنْزال الجودِ

ولمّا قُضيَ الفَرْضُ وكادَ الجمْعُ ينفَضّيتفرق انْبَرىظهر وقام منَ الجماعَةِ كهْلٌتام الخلق حُلْوُ البَراعةِ لهُ منَ السّمتِالوقار الحسَنِ ذَلاقَةُالحدة اللّسَنِحدة اللسان وفَصاحَةُ الحسَنِ

وقال: يا جيرَتي الذينَ اصْطفَيتُهُمْاخترتهم على أغصانِ شجرَتيبني عمي وأولادي وجعلْتُ خِطتَهُمْبلدتهم دارَ هِجرَتيموضع سكناي واتّخَذْتُهُمْ كَرِشيأهلي وعَيبَتي وأعددْتُهُمْ لمَحْضَري وغيْبَتي أما تعْلَمونَ أنّ لَبوسَ الصّدقِ أبْهى الملابِسِ الفاخِرةٍ وأنّ فُضوحَ الدُنيا أهوَنُ منْ فُضوحِ الآخِرَةِ؟ وأنّ الدّينَ إمْحاضُإخلاص النّصيحَةِ والإرْشادَ عُنوانُ العَقيدَةِدليل المعتقدات الصّحيحةِ؟ وأنّ المُستَشارَالذي تستشيره مُؤتَمَنٌآمن على الأسرار والمستَرشِدَ بالنُصحِ قَمِنٌحقيق؟ وأنّ أخاكَ هوَ الذي عذلَكَلامك لا الذي عذَرَكَ؟ وصديقَكَ منْ صدقَكَقال الصدق لا مَنْ صدّقَكَ؟

فقال لهُ الحاضِرون: أيها الخِلّالخليل الوَدودُكثير الود والخِدْنُ الموْدودُ ما سِرّ كلامِكَ المُلغَزِالمبهم وما شرْحُ خِطابِكَ الموجِزِالمختصر وما الذي تبْغيهِ منّا ليُنْجَزَليفعله؟ فوَالذي حَبانااختصنا بمحبّتِكَ وجعلَنا منْ صفْوَةِخيار أحِبّتِكَ ما نألوكَنقصر نُصْحاً ولا ندّخِرُ عنْكَ نَضْحاًعطية

فقال: جُزيتُمْ خيراً ووُقيتُمْ ضَيراً فإنّكُمْ ممّنْ لا يَشْقى بهِمْ جَليسٌ ولا يصدُرُيرجع عنهُمْ تلْبيسٌالتباس ولا يُخيَّبُ فيهِمْ مَظنونٌما ظُن ولا يُطْوىيحجب دونَهُمْ مكْنونٌمستور وسأبُثّكمْ ما حاكَأثّر في صدْري وأستَفْتيكُمْ في ما عيلَغلب فيهِ صبْري اعْلَموا أني كُنتُ عندَ صُلودِ الزّنْدِ وصُدودِ الجَدّ أخْلَصْتُ معَ اللهِ نِيّةَ العقْدِ وأعطَيتُهُ صَفقَةَ العهْدِالاتفاق على أنْ لا أسْبأ مُداماً ولا أُعاقِرَ نَدامَي ولا أحْتَسيَ قهوَةً ولا أكْتَسيَ نشْوَةًسكرة فسوّلَتْ ليَ النّفسُ المُضِلّةُمُحَيِّرَة والشّهوَةُ المُذلّةُ المُزِلةُ أنْ نادَمْتُ الأبْطالَفُسّاق وعاطَيتُ الأرْطالَ وأضَعْتُ الوَقارَ وارتضَعْتُ العُقارَالخمر وامتطَيْتُ مَطا الكُمَيتِحصان أحمر وتناسيْتُ التّوبَةَ تَناسيَ الميْتِ

ثمّ لمْ أقْنَعْ بهاتِيكُمُ المَرّةِ في طاعَةِ أبي مُرّةَ

حتى عكفْتُ على الخَندَريسِخمر قديمة في يومِ الخَميسِ وبتُّ صَريعَ الصّهْباءالخمر في اللّيلَةِ الغرّاء وها أنا بادي الكآبَةِ لرَفْضِ الإنابَةِالتوبة نامي النّدامَةِ لوصْلِ المُدامَةِالخمر شديدُ الإشْفاقِ منْ نقْضِ الميثاقِ مُعتَرِفٌ بالإسْرافِ

في عَبّشرب السُّلافِالخمر:

فيَا قوْمِ هلْ كَفّارَةٌتكفير تعْرِفونَها

تُباعِدُ منْ ذَنْبي وتُدني الى ربّي

قال أبو زيد: فلمّا حلّ أُنشوطَةَعقدة سهلة نفْثِهِلفظه وقَضى الوَطَرَ منِ اشتِكاء بثّهِحزنه، همه ناجَتْنيحدّثتني نفْسي يا أبا زيْدٍ هذهِ نُهزَةُ صيْدٍ فشمّرْ عن يدٍ وأيْدٍ فانتهَضْتُ منْ مَجْثِميموضع قعودي انتِهاضَ الشّهْمِالفطن، الذكي وانخرَطْتُ منَ الصّفّ انخِراطَ السّهْمِ

وقُلتُ:

أيها الأرْوَعُالأعجب، الأبهى الذي

فاقَزاد على غيره مجْداً وسؤدُدا

والذي يبْتَغي الرّشا

دَ ليَنجو بهِ غَدا

إنّ عندي عِلاجَمعاناة وطبّ ما

بِتَّ منهُ مسَهَّداممتنع النوم

فاستَمِعْها عجيبةً

غادرَتْني مُلَدَّدامترددًا، متحيرًا

أنا منْ ساكِني سَرو

جَ ذَوي الدّينِ والهُدى

كنتُ ذا ثرْوَةٍ بها

ومُطاعاً مُسَوَّدا

مرْبَعي مألَفُ الضّيو

فِ ومالي لهُمْ سُدَى

أشتَري الحمْدَ باللُّهى

وأقي العِرْضَ بالجَدا

لا أُبالي بمُنفِسٍ

طاحَ في البَذْلِ والنّدى

أوقِدُ النارَ باليَفا

عِ إذا النِّكسُ أخْمَدا

وبَراني المؤمِّلو

نَ مَلاذاً ومَقْصِدا

لمْ يشِمْ بارِقي صَدٍ

فانْثَنى يشْتَكي الصّدَى

لا ولا رامَ قابِسٌ

قدْحَ زَندي فأصْلَدا

طالَما ساعَدَ الزّما

نُ فأصْبَحْتُ مُسْعَدا

فقَضى اللهُ أنْ يُغيّ

رَ ما كانَ عَوّدا

بوّأ الرّومَ أرْضَنا

بعْدَ ضِغْنٍ تولَّدا

فاسْتباحوا حريمَ مَنْ

صادَفوهُ موَحِّدا

وحوَوْا كلَّ ما استس

رّ بها لي وما بدا

فتطوّحْتُ في البِلا

دِ طَريداً مُشرَّدا

أجْتَديأسأل الناسَ بعْدَما

كُنتُ من قَبْلُ مُجْتَدى

وتُرى بي خَصاصَةٌفقر

أتَمنّى لها الرّدىالهلاك

والبَلاءُ الذي بهِ

شمْلٌمجتمع أُنسي تبَدّداتفرّق

إسْتِباءُأخذ أسيرة ابْنَتي التي

أسَروها لتُفْتَدى

فاسْتَبِنْ مِحنَتيبليتي وم

دّ الى نُصْرَتي يَدا

وأجِرْني منَ الزّما

نِ فقدْ جارَظلم واعْتَدى

وأعِنّي على فَكا

كِ ابْنَتي منْ يدِ العِدَى

فبِذا تَنْمَحيتذهب المآ

ثِمُ عمّنْ تمرّدافساد

وبِهِ تُقبَلُ الإنا

بَةُ ممّنْ تزَهّداترك الدنيا

وهْوَ كفّارَةٌ لمَنْ

زاغَمال منْ بعْدِ ما اهْتَدى

ولَئِنْ قُمتُ مُنشِداً

فلقَدْ فُهْتُنطقت مُرشِدادال على الخير

فاقْبَلِ النُصْحَ والهِدا

يَةَ واشْكُرْ لمَنْ هَدى

واسمَحِ الآنَ بالّذي

يتسنّىيتيسر لتُحْمَدا

قال أبو زيدٍ: فلمّا أتْمَمْتُ هذْرَمَتيكثرة كلامي وأُوهِمَ المسؤولُ صِدْقَ كلِمَتيقصيدتي أغْراهُحرّضه القرَمُالشهوة الى الكرَمِ بمؤاساتي ورغّبَهُ الكلَفُالحب بحمْلِ الكُلَفِ في مُقاساتي فرضَخَأعطى لي على الحافِرَةِأوّل الأمر ونضَخَ لي بالعِدَةِ الوافِرَةِ فانقلَبْتُ الى وَكْري فرِحاً بنُجْحِ مَكْري وقد حصلْتُ منْ صوْغِ المَكيدةِ على سوْغِ الثّريدَةِ ووصلْتُ منْ حوْكِ القَصيدَةِ الى لوْكِ العَصيدَةِ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ سُبحانَ منْ أبدعَكَ فما أعْظمَ خُدَعَكَ وأخْبَثَ بدَعَكَ!

فاستَغْرَبَ في الضّحِك

ثمّ أنشدَ غيرَ مُرتَبِكٍ:

عِشْ بالخِداعِ فأنتَ في

دهْرٍ بَنوهُ كأُسْدِ بِيشَهْ

وأدِرْ قَناةَ المَكْرِ حت

ى تسْتَديرَ رَحى المَعيشَهْ

وصِدِ النّسورَ فإنْ تعذ

رَ صيدُها فاقْنَعْ بريشَهْ

واجْنِ الثّمارَ فإنْ تفُتْ

كَ فرَضّ نفسَكَ بالحشيشَهْ

وأرِحْ فؤادَكَ إنْ نَباارتفع

دهْرٌ منَ الفِكَرِ المُطيشَهْالمدهشة للعقل

فتغايُرُ الأحْداثِالنوازل يؤ

ذِنُ باستِحالَةِ كُلّ عيشَهْ