← المقامات
المقامة السابعة والأربعون

المقامة الحجرية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: احتَجْتُ الى الحِجامَةِ وأنا بحَجْرِ اليَمامةِ فأُرشِدْتُ الى شيخٍ يحْجُمُ بلَطافَةٍ ويسفِرُ عنْ نَظافَةٍ فبعَثْتُ غُلامي لإحْضارِهِ وأرْصَدْتُ نفْسي لانتِظارِهِ فأبْطأ بعْدَما انطلَقَ

حتى خِلتُهُ قدالهيئة والقامة أبَقَهرب أو ركِبَ طبَقاً عنْ طبَقٍ

ثمّ عادَ عوْدَ المُخفِقِفاشل مسْعاهُ الكَلِّ على موْلاهُ

فقُلْتُ لهُ: ويلَكَ أبُطْءَ فِنْدٍكذب وصُلودَ زَندٍ؟ فزَعَم أنّ الشيخَ أشْغَلُ من ذاتِ النِّحْيَيْنِجلدتا السمن وفي حربٍ كحَرْبِ حُنَينٍ فعِفتُ المَمْشى الى حجّامٍفاصد وحِرْتُ بين إقدامٍ وإحْجامٍ

ثمّ رأيتُ أنْ لا تعْنيفَ على منْ يأتي الكَنيفَبيت الخلاء

فلمّا شهِدْتُ موسِمَهُ وشاهدْتُ مِيسَمَهُ رأيتُ شيْخاً هيئَتُهُ نَظيفَةٌ وحركَتُهُ خَفيفَةٌ وعليْهِ منَ النّظارَةِالمتفرجون أطْواقٌحلقة بشر ومنَ الزِّحامِ طِباقٌازدحام شديد وبينَ يَدَيْهِ فتًى كالصَّمْصامَةِ مُستَهدِفٌمعرّض للحِجامَةِ

والشيخُ يقولُ له: أراكَ قد أبرَزْتَ راسَكَ قبلَ أن تُبرِزَ قِرْطاسَكَورقتك ووَلّيتَني قَذالَكَعنقك ولمْ تقُلْ لي ذا لَكَ ولستُ ممّنْ يبيعُ نقْداً بدَينٍ ولا يطلُبُ أثَراً بعدَ عينٍ فإنْ أنتَ رضَخْتَ بالعَينِ حُجِمْتَ في الأخدَعَينِوريدا العنق وإنْ كُنتَ ترى الشُحّ أوْلى وخزْنَ الفَلْسِ في النّفْسِ أحْلى فاقْرأ عبَسَ وتولّى واغْرُبْ عني وإلا

فقالَ الفتَى: والذي حرّمَ صوْغَ المَينِالكذب كما حرّمَ صيْدَ الحرَمَينِ إني لأفْلَسُ منِ ابنِ يوْمَينِ فثِقْ بسَيلِ تلْعَتيحلقي وأنْظِرْني الى سَعَتي

فقالَ لهُ الشيخُ: ويْحَكَ إنّ مثَلَ الوُعودِ كغرْسِ العودِ! هوَ بينَ أن يُدرِكَهُ العطَبُ أو يُدرَكُ منهُ الرُّطَبُ فما يُدْرِيني أيَحْصُلُ منْ عودِكَ جَنًىأوقع جناية أم أحصُلُ منهُ على ضنًىتعب؟ ثمّ ما الثّقَةُ بأنّكَ حينَ تبتَعِدُ ستَفي بما تعِدُ؟ وقد صارَ الغدْرُ كالتّحْجيلِ في حِليَةِزينة هذا الجيلِ فأرِحْني باللهِ منَ التّعذيبِ وارْحَلْ الى حيثُ يَعْوييصيح الذّيبُ فاسْتَوى الغُلامُ إليْهِ وقدِ استوْلىغلب الخجَلُ علَيْهِ

وقال: واللهِ ما يَخيسُيغدر بالعهْدِ غيرُ الخَسيسِ الوغْدِ ولا يرِدُ غَديرَ الغَدْرِ إلا الوَضيعُ القدْرِ ولوْ عرَفْتَ منْ أنا لما أسمَعْتَني الخَنا لكنّكَ جهِلْتَ فقُلْتَ وحيثُ وجَبَ أنْ تسْجُدَ بُلْتَأخطأت وما أقبَحَ الغُربَةَ والإقلالَ

وأحسَنَ قوْلَ منْ قال:

إنّ الغَريبَ الطّويلَ الذّيلِ ممتَهَنٌ

فكيفَ حالُ غَريبٍ ما لهُ قوتُ

لكنّهُ ما تَشينُ الحُرُّ موجِعَةٌ

فالمِسكُ يُسحَقُ والكافورُ مَفتوتُ

وطالَما أُصْليَ الياقوتُ جمرَ غضًى

ثمّ انطَفى الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ

فقالَ لهُ الشيخُ: يا ويلَةَ أبيكَ وعوْلَةَ أهليكَ! أأنْتَ في موقِفِ فخْرٍ يُظهَرُ وحسَبٍ يُشهَرُ أم موقِفِ جِلْدٍ يُكشَطُ وَقَفاً يُشْرَطُ؟ وهبْ أنّ لكَ البيتَ كما ادّعَيتَ أيَحْصُلُ بذلِكَ حَجْمُ قَذالِكَ؟ لا واللهِ ولوْ أنّ أباكَ أنافَأشرف على عبْدِ مُنافٍ أو لخالِكَ دانَ عبدُ المَدانِ فلا تضْرِبْ في حَديدٍ بارِدٍ ولا تطْلُبْ ما لسْتَ لهُ بواجِدٍ وباهِ إذا باهَيْتَ بموجودِكَ لا بحُدودِكَ وبمَحْصولِكَ لا بأصولِكَ وبصِفاتِكَ لا برُفاتِكَ وبأعْلاقِكَ لا بأعْراقِكَ ولا تُطِعِ الطّمَعَجشع فيُذِلَّكَ ولا تتّبِعِ الهَوى فيُضِلّكَ

وللهِ القائلُ لابنِهِ:

بُنيّ استَقِمْ فالعُودُ تَنمي عُروقُهُ

قَويماً ويغْشاهُ إذا ما التَوىانعطف التّوَى

ولا تُطِعِ الحِرْصَ المُذِلّ وكنْ فتًى

إذا التَهَبتْ أحشاؤهُ بالطّوى طوَى

وعاصِ الهَوى المُرْديمُهْلِك فكم من محَلِّقٍ

إلى النّجْمِ لمّا أنْ أطاعَ الهَوى هوَى

وأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرى

على من إلى الحرّ اللُّبابِجوهر انضوى ضوَى

وحافِظْ على مَنْ لا يخونُ إذا نَباتغيّر

زمانٌ ومن يرْعى إذا ما النوىبُعْد نوَىقصد

وإنْ تقتدرْ فاصْفحْ فلا خيرَ في امرِئٍ

إذا اعتلَقتْ أظفارُهُ بالشّوى شَوىأطهى

وإيّاكَ والشّكوى فلمْ ترَ ذا نُهًىحكمة

شكا بل أخو الجهل الذي ما ارعوىارتدع عوىصاح

فقالَ الغُلامُ للنّظّارَةِ: يا للعَجيبةِ والطُرفَةِ الغَريبةِ! أنْفٌكبر في السّماء واسْتٌفَتَرَ في الماء! ولفْظٌ كالصّهْباء وفِعْلٌ كالحَصْباء! ثمّ أقبلَ على الشيخِ بلِسانٍ سَليطٍحاد وغيظٍ مُستَشيطٍملتهب

وقال: أفٍّ لكَ منْ صوّاغٍصانع باللّسانِ روّاغٍمراوغ عنِ الإحْسانِ! تأمُرُ بالبِرّ وتعُقّ عُقوقَعقوق الهِرّ فإنْ يكُنْ سبَبُ تعنُّتِكَطلب الزلة نَفاقَ صنعَتِكَ فرَماها اللهُ بالكَسادِ وإفْسادِ الحُسّادِ

حتى تُرى أفرَغَأشد فراغاً منْ حَجّامِ ساباطَموضع (بالمدائن) وأضيَقَ رِزْقاً منْ سمّ الخِياطِثقب الابرة

فقال لهُ الشيخُ: بلْ سلّطَ اللهُ عليْكَ بَثْرَخراج صغار الفَمِ وتبيُّغَ الدّمِ

حتى تُلْجأتحوج الى حجّامٍ عظيمِ الاشْتِطاطِمجاوزة القدر ثَقيلِ الاشْتِراطِ كَليلِحاف المِشْراطِ كثيرِ المُخاطِ والضُّراطِ

قال: فلمّا تبيّنَ الفتى أنهُ يشْكو الى غيْرِ مُصَمَّتٍصامت ويُراوِدُ استِفْتاحَ بابٍ مُصْمَتٍ أضْرَبَ عنْ رجْعِ الكَلامِ واحتفَزَ للقيامِ وعلِمَ الشيخُ أنهُ قدْ ألامَ بما أسمَعَ الغُلامَ فجنَحَ الى سِلمِهِ

وبذَلَ أنْ يُذعِنَ لحُكمِهِ ولا يَبْغي أجْراً على حَجْمِهِ وأبى الغُلامُ إلاّ المَشْيَ بدائِهِ والهرَبَ منْ لِقائِهِ وما زالا في حِجاجٍ وسِبابٍ ولِزازٍ وجِذابٍ الى أن ضجّ الفَتى منَ الشِّقاقِ وتَلا رُدنُهُ سورَةَ الانشِقاقِ فأعْوَلَ حينئِذٍ لوَفارَةِ خُسرِهِ وانعِطاطِ عِرْضِهِ وطِمْرِهِ وأخذَ الشيخُ يعتَذِرُ منْ فرَطاتِهِ ويُغيِّضُ منْ عبَراتِهِ وهوَ لا يُصْغي الى اعتِذارِهِ ولا يقصِّرُ عنِ استِعْبارِهِ

الى أنْ قالَ لهُ: فَداكَ عمُّكَ وعدَاكَ ما يغُمُّكَ! أما تسْأمُ الإعْوالَ أما تعرِفُ الاحتِمالَ أمَا سمِعْتَ بمَنْ أقالَ

وأخذَ بقولِ منْ قال:

أخمِدْ بحِلمكَ ما يُذكيهِيوقده ذو سفَهٍجهل

من نارِ غيظكَ واصْفَحْ إن جنى جانِ

فالحِلمُ أفضَلُ ما ازْدانَتزيّن اللّبيبُالعاقل بهِ

والأخذُ بالعَفوِ أحْلى ما جَنى جانِ

فقال لهُ الغُلام: أمَا إنّكَ لو ظهرْتَ على عيْشيَ المُنكَدِرِالمتغير لعَذَرْتَ في دمْعيَ المُنهَمِرِ

ولكِنْ هانَسَهُل على الأملَسِالناعم (الجلد) ما لاقَى الدّبِرُالقروح

ثمّ كأنّهُ نزَعَاقتلع الى الاستِحْياء فأقْلَعَ عنِ البُكاء وفاء الى الارْعِواءالاستحياء والرّجوع

وقال للشيخِ: قدْ صِرْتُ الى ما اشتَهَيْتَ فارْقَعْ ما أوْهَيتَافسدت

فقال: هيْهاتَ شغلَتْامتلأت (نواحيه) شِعابيطرقي جَدوايَعطائي فشِمْ بارِقَ سِوايَ

ثمّ إنهُ نهضَ يستَقْرييتتبع الصّفوفَ ويستَجْدي الوُقوفَ

ويُنشِدُ في ضِمْنِفي أثناء ما هوَ يطوفُ:

أُقسِمُ بالبيتِ الحرامِ الذي

تهْويتسرع المشي إليْهِ الزُمَرُالجماعات المُحرِمَهْالداخلة في الحرم

لوْ أنّ عِندي قُوتَ يومٍ لَما

مسّتْ يَدي المِشْراطَ والمِحجَمهْ

ولا ارتضَتْ نفْسي التي لمْ تزَلْ

تسْموترتفع الى المجْدِ بهذي السِّمَهْالعلامة

ولا اشْتَكى هذا الفتى غِلظَةًجفاء

منّي ولا شاكَتْهُ منّي حُمَهْشوكة العقرب

لكِنْ صُروفُنوائب الدّهرِ غادَرْننيتركنني

كخابِطٍ في اللّيلَةِ المُظلِمَهْ

واضْطَرّني الفقْرُ الى موقِفٍ

منْ دونِهِ خوْضُدخول اللّظىالنار المُضرَمهالموقدة

فهلْ فتًى تُدرِكُهُ رِقّةٌشفقة

عليّ أو تعطِفُهُتلينه مَرْحَمَهْرحمة

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فكُنتُ أوّلَ منْ أوى لبَلْواهُ ورقّ لشَكْواهُ فنفَحْتُهُ بدِرْهَمَينِ

وقلتُ: لا كانا ولوْ كانَ ذا مَيْنٍ! فابتهَجَ بباكُورَةِ جَناهُ وتفاءلَ بهِما لغِناهُ ولمْ تزَلِ الدّراهِمُ تنْهالُ عليْهِ وتنْثالُ لديْهِ

حتى آلَ ذا عيشَةٍ خضْراء وحَقيبةٍ بجْراء

فازْدهاهُ الفرَحُ عندَ ذلِكَ وهنّأ نفْسَهُ بما هُنالِكَ

وقال للغُلام: هَذا ريْعٌ أنتَ بَذرُهُ وحلَبٌ لكَ شطرُهُ فهلُمّ لنَقتَسِمَ ولا نحْتَشِمْ فتقاسَماهُ بينَهُما شقَّ الأبلَمَةِ ونهَضا مُتّفِقَي الكَلِمَةِ

ولمّا انتظَمَ بينهُما عقْدُ الاصْطلاحِ وهمّ الشيخُ بالرّواحِ

قُلتُ له: قدْ تبوّغَبلغ دَمي ونقلْتُ إليْكَ قدَمي فهلْ لكَ أن تحْجُمَنيتأخذ دمي وتُكفْكِفَ ما دهَمَنيأصابني؟ فصوّبَ طرْفَهُ وصعّد

ثمّ ازْدَلَفَاقترب إليّ وأنشدَ:

كيفَ رأيتَ خُدْعَتي وختْلي

وما جرى بيْني وبينَ سخْليصغار

حتى انثَنَيْتُ فائِزاً بالخصْلِ

أرْعى رياضَ الخِصْبِ بعدَ المحلِ

باللهِ يا مُهجةَروح قلْبي قلْ لي

هلْ أبصرَتْ عيناكَ قطُّ مثلي

يفتَحُ بالرُقيَةِ كلَّ قُفْلِ

ويستَبي بالسّحْرِ كلَّ عقْلِ

ويعجِنُ الجِدّ بماء الهزْلِ

إنْ يكُنِ الإسكَندَريُّ قبْلي

فالطّلُّ قد يبْدو أمامَ الوَبْلِالمطر الشديد

والفضْلُ للوابِلِ لا للطّلِّ

قال: فنبّهَتْني أُرجوزَتُهُقصيدته الرجزية عليْهِ وأرَتْني أنهُ شيخُنا المُشارُ إليهِ فقرّعْتُهُ على الابتِذالِ والاتِحاقِ بالأرْذالِ فأعْرضَ عمّا سمِعَ ولمْ يُبَلْ بِما قُرّعَ

وقال: كُلَّ الحِذاء يحْتَذي الحافي الوَقِعُ

ثمّ قاصانيباراني مُقاصاةَ المُهانِ وانطلَقَ هوَ وابنُهُ كفَرَسيْ رِهانٍ

قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي رضي الله عنه قد أودعت هذه المقامة بضعة عشر مثلاً من أمثال العرب وما أنا أفسر ما أخاله يلتبس على من يقتسر أما قوله (بطء فند) فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها ناراً فقصد من فوره مصر وأقام بها سنة ثم جاءها بعد السنة وهو يشتد ومعه جمر فتبدد منه فقال تعست الحجلة وأما قوله (أنف في السماء واست في الماء) فيضرب هذا المثل لمن يكبر مقالاً ويصغر فعالاً وأما قوله (افرغ من حجام ساباط) فذكر أنه كان حجاماً ملازماً ساباط المدائن يحجم الجندي بدانق نسيئة وربما مرت عليه برهةمدة (من الزمن) لا يقرئه فيها حد فكان يبرزيمارس أمه عند تمادي عطلتهبطالته فيحجمها لكيلاً يقرعيُلام بالبطالة فما زال يحجمها حتى نزفسال (دمها) دمياً وماتت وأما قوله (يشكو إلى غير مصمت) فهو مثل يضرب لمن لا يكترثيهتم بشأن صاحبه ولا يعبأيبالي باستمرار شكايته لأنه لو أشكاهاشتكى لصمت وأمسك عن الكلام ومنه قول الراجزالشاعر يحاطب جملاً له

إنك لا تشكو إلى مصمت

فاصبر على الحمل القبل لو مت

ونحو هذا المثل (هان على الأملس ما لاقى الدير) وأما قوله (شعلت شعابي حدواي) فالمراد به أنه ليس يفضليبقى عني ما أصرفهأُنفقُه إلى غيري والشعاب هي النواحي واحدها شعب وقوله (كل الحذاء يحتذى الحافي الوقع) معناه أن المجهود يقنع بما يحد والوقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها ف أما البعير الموقعذو الآثار فهو الذي يكثر آثار الكسر لظهره