حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أصْعَدْتُسار الى صَعْدَةَ وأنا ذو شَطاطٍ يحْكي الصّعْدَةَ واشتِدادٍ يبدُرُيسبق بناتِ صَعدةَ
فلمّا رأيتُ نَضرتَهاحسن ورعَيْتُ خُضرتَها سألتُ نَحاريرَعلماء الرّواةِ عمّنْ تحْويهِ منَ السَّراةِأعيان ومعادِنِ الخيْراتِ لأتّخِذَهُ جَذْوَةًنور في الظُلُماتِ ونَجدَةً في الظُّلاماتِمظالم فنُعِتَ لي قاضٍ بها رحيبُواسع الباعِسعة العطاء خَصيبُخصب الرِّباعِكثرة المال تَميميُّمن بني تميم النّسَبِ والطّباعِ فلمْ أزَلْ أتقرَّبُ إليْهِ بالإلْمامِ وأتَنَفّقُ عليهِ بالإجْمامِ
حتى صِرْتُ صَدىملازم صَوْتِهِ وسَلْمانَ بيتِهِ وكنتُ معَ اشْتِيارِاستخراج شَهْدِهِ وانتِشاقِ رَنْدِهِعود طيب أشْهَدُ مَشاجِرَنزاعات الخُصومِ وأسفِرُ بينَ المَعصومِبريء منهُمْ والموْصومِ
فبَينَما القاضي جالِسٌ للإسْجالِللتسجيل في يومِ المحْفِلِ والاحتِفالِ
إذ دخَلَ شيخٌ بالي الرّياشِالثياب بادِي الارتِعاشِالرعدة فتبصّرَ الحفْلَ تبصُّرَنظر نقّادٍناقد
ثم زعَمَ أنّ لهُ خصْماً غيرَ مُنقادٍمطيع فلمْ يكُنْ إلا كضَوْء شَرارَةٍ أو وحْيِإيماء خفي إشارٍَ
حتى أُحضِرَ غُلامٌ كأنّهُ ضِرْغامٌأسد
فقال الشيخُ: أيّدَ اللهُ القاضيَ وعصَمَهُ منَ التّغاضيالتغافل إنّ ابْني هذا كالقَلَمِ الرّديّسيء والسيفِ الصّدِيّصوت الجبل يجهَلُ أوْصافَ الإنصافِ ويرْضَعُ أخلافَأبناء الخِلافِ إنْ أقدَمتُ أحجَمَامتنع وإذا أعرَبْتُأوضحت أعجَمَتلعثم وإنْ أذْكَيْتُأوقدت أخْمَدَأطفأ ومتى شوَيتُ رمّدَصار رمادًا معَ أنّي كفَلْتُهُربيته مُذْ دَبّزحف الى أن شبّصار شابا وكنتُ لهُ ألْطَفَأشفق مَنْ ربّى ورَبَّ فأكْبَرَ القاضي ما شَكا إليْهِ وأطْرَفَ بهِ منْ حَوالَيْهِ
ثمّ قال: أشْهَدُ أنّ العُقوقَ أحدُ الثُّكْلَينِمصيبتان ولَرُبّ عُقْمٍعقم أقَرُّ للعَينِ فقالَ الغُلامُ
وقد أمعَضَهُأوجعه هذا الكلامُ: والذي نصَبَ القُضاةَ للعدْلِ وملّكَهُمْ أعِنّةَقيادة الفضْلِ والفَصْلِ إنّه ما دَعا قَطُّ إلا أمّنْتُأجبت ولا ادّعى إلا آمَنْتُصدقت ولا لَبّىاستجاب إلا أحْرَمْتُصرت محرماً ولا أوْرَىأظهر النار إلا أضْرَمْتُأوقدت بيْدَ أنهُ كمَنْ يبْغي بيْضَ الأنُوقِذكر الرّخم
ويطْلُبُ الطّيَرانَ منَ النّوقِالإبل! فقالَ لهُ القاضي: وبِمَ أعْنَتَكَساعدتني وامتَحَنَ طاعتَكَ؟
قال: إنهُ مُذْ صَفِرَخلا منَ المالِ ومُنِيَ بالإمْحالِ يسومُنييطلب مني أنْ أتلَمّظَألحس الشفاه بالسّؤالِ وأستَمْطِرَ سُحْبَجمع سحابة النّوالِالعطاء ليَفيضَ شِربُهُ الذي غاضَنقص وينْجَبرَ منْ حالِهِ ما انْهاضَضعف وقد كانَ حينَ أخذَني بالدّرْسِ وعلّمَني أدَبَ النّفْسِ أشْرَبَروى وسقى قلْبي أنّ الحِرْصَكثرة الطمع مَتعَبَةٌ والطّمَعَ معْتَبَةٌملامة والشَّرَهُ مَتْخَمَةٌممتلئة والمسألَةَ مَلأمَةٌعار
ثمّ أنشدَني منْ فلْقِ فيهِ
ونحْتِ قَوافيهِ:
إرْضَ بأدنى العيشِ واشْكُرْ عليْهِ
شُكْرَ منِ القُلُّقلة كثيرٌ لدَيْهْ
وجانِبِ الحِرصَ الذي لم يزَلْ
يحُطُّ قدْرَ المُتَراقي إلَيْهْ
وحامِ عنْ عِرضِكَ واستَبْقِهِ
كما يُحامي اللّيْثُ عنْ لِبْدتَيْهْ
واصْبِرْ على ما نابَنزل منْ فاقَةٍفقر
صبْرَ أولي العزْمِ وأغمِضْ عليْهْ
ولا تُرِقْتسيل ماء المُحَيّاالوجه ولوْ
خوّلَكَأعطاك المسْؤولُ ما في يدَيْهْ
فالحُرُّ مَنْ إنْ قَذيَتْ عينُهُ
أخْفى قَذىسقط جَفنَيْهِ عن ناظِرَيْهْعينيه
ومَنْ إذا أخْلَقَبلي ديباجُهُثوبه
لمْ يرَ أنْ يُخْلِقَ ديباجَتَيْهْخديه
قال: فعبَسَ الشيخُ واكفهَرّ وانْدرَأ على ابنِهِ وهرّّ
وقال لهُ: صَهْ يا عُقَقُعاقّ يا مَنْ هوَ الشّجَىالحزين والشَّرَقُ! ويْكَويلك أتُعَلّمُ أمّكَ البِضاعَنكاح وظِئْرَكَ الإرْضاعَ؟ لقدْ تحكّكَتِلصقت العقْرَبُ بالأفعى واستَنّتِ الفِصالُ حتى القَرْعىضربة! ثمّ كأنّهُ ندِمَ على ما فرَطَ منْ فيهِ وحدَتْهُ المِقَةُالمحبة على تَلافِيهِإصلاحه فرَنا إلَيْهِ بعينِ عاطِفٍ وخفضَ لهُ جناحَ مُلاطِفٍ
وقال لهُ: ويْكَ يا بُنيّ إنّ مَنْ أُمِرَ بالقَناعَةِ وزُجِرَ عنِ الضّراعَةِالتذلل هُمْ أرْبابُ البِضاعَةِتجارة وأولُو المَكسَبَةِ بالصّناعَةِ فأمّا ذَوو الضّروراتِ فقدِ استُثْنيَ بهِمْ في المَحْظوراتِ وهبْكَ جهِلْتُ هذا التّأويلَ ولمْ يبلُغْكَ ما قيلَ ألسْتَ الذي عارَضَ أباهُ
في ما قالَ وما حاباهُفضّله:
لا تقْعُدَنّ على ضُرٍّأذى ومسْغَبَةٍ
لكيْ يُقالَ عزيزُ النّفسِ مُصطَبِرُصبور
وانظُرْ بعينِكَ هل أرضٌ مُعطّلةٌجرداء
منَ النّباتِ كأرضٍ حفّهاأحاط بها الشّجَرُ
فعَدِّ عمّا تُشيرُ الأغْبِياءُالحمقى بهِ
فأيُّ فضْلٍ لعودٍ ما لهُ ثمَرُفاكهة
وارْحَلْ رِكابَكَوسائل عن ربْعٍمحل ظمئتَ به
الى الجَنابِجهة الذي يَهمي بهِ المطَرُ
واستَنزِلِ الرّيَّ من دَرّوفرة السّحابِغيوم فإنْ
بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُنصر
وإنْ رُدِدتَ فما في الرّدّ مَنقَصَةٌعيب
عليكَ قد رُدّ موسى قبلُ والخَضِرُ
قال: فلما أنْ رأى القاضي تَنافيَتضاد قولِ الفتى وفِعلِهِ وتحلّيَهُ بما ليسَ منْ أهلِهِ نظَرَ إليْهِ بعَينٍ غَضْبىغاضبة
وقال: أتَميميّاًمن تميم مرّةً وقَيسِيّاً أخرى؟ أُفٍّ لمَنْ ينقُضُيخالف ما يَقولُ
ويتلوّنُ كما تتلوّنُ الغولُساحرة الجن! فقال الغُلامُ: والذي جعلَكَ مِفْتاحاً للحَقّ وفتّاحاً بينَ الخَلْقِ لقدْ أُنسيتُ مُذْ أسِيتُحزنت وصَدِئ ذِهْني مُذْ صَديتُ على أنّهُ أينَ البابُ الفُتُحُكثير واسع والعَطاءُ السُّرُحُالواسع؟ وهلْ بقيَ منْ يتبرّعُيتفضل متطوعا باللُّهى وإذا استُطْعِمَ يقولُ هاخذ تناول؟
فقالَ لهُ القاضي: مَهْاكفف! فمَعَ الخَواطئالأخطاء سهْمٌ صائِبٌ وما كُلُّ برْقٍ خالِبٌخادع فميّزِ البُروقَ إذا شِمْتَ ولا تشْهَدْ إلا بما علِمْتَ
فلمّا تبيّنَ للشّيخِ أنّ القاضيَ قدْ غضِبَ للكِرامِ وأعْظَمَ تبْخيلَ جميعِ الأنامِ علِمَ أنّهُ سينصُرُ كلِمَتَهُ ويُظهِرُ أُكرومَتَهُ فما كذّبَ أنْ نصَبَ شبكَتَهُ وشوَى في الحَريقِ سمكَتَهُ
وأنْشأ يقول:
يا أيّها القاضي الذي عِلمُهُ
وحِلمُهُ أرسَخُأثبت منْ رَضْوَىجبل بالمدينة
قدِ ادّعى هَذا على جهلِهِ
أنْ ليسَ في الدُنيا أخو جَدوىصاحب عطية وكرم
وما دَرَى أنكَ منْ معشَرٍ
عطاؤهُمْ كالمَنِّ والسّلْوى
فجُدْ بِم يَثْنيهِيردّه مُستَخزِياًصاغرا خاضعا
مما افتَرىكذب واستبعد من كذِبِ الدّعوى
وأنثَني جَذْلانَأرجع فرحا أُثْني بما
أولَيتَأعطيت من جَدوى ومن عَدوى
قال: فهَشّ القاضي لقولِهِ وأجزَلَ لهُ منْ طولِهِ
ثمّ لفتَجعل له نصالا وجهَهُ الى الغُلامِ وقد نصَلَحديدة السهم لهُ أسهُمَ المَلامِ
وقال لهُ: أرأيْتَ بُطْلَبطلان زعْمِكَ وخطَأَ وهْمِكَظنك؟ فلا تَعجَلْ بعدَها بذَمّ ولا تنْحَتْتنجر عوداً قبلَ عجْمٍاختبار وإيّاكَ وتأبّيكَ عن مُطاوَعَةِ أبيكَ! فإنّكَ إنْ عُدتَ تعُقُّهُ حاقَ بكَ منيبلي ما تستحِقُّهُ فسُقِطَ الفَتى في يدِهِ ولاذَ بحِقْوِ والِدِهِ
ثمّ نهضَ يُحفِدُ
وتبِعَهُ الشيخُ يُنشدُ:
منْ ضامَهُ أو ضارَهُ دهرُهُ
فلْيَقْصِدِ القاضيَ في صَعْدَهْ
سمَاحُهُ أزْرى بمَنْ قبلَهُ
وعدْلُهُ أتْعَبَ مَنْ بعْدَهْ
قال الرّاوي: فحِرْتُ بينَ تعْريفِ الشيخِ وتنْكيرِهِ الى أنِ احْرَورَفَمال وانحرف لمَسيرِهِ فناجَيْتُ النّفْسَ باتّباعِهِ ولوْ الى رِباعِهِدياره لعَلّي أظهَرُ على أسرارِهِ وأعْرِفُ شجرَةَ نارِهِأصل جبلته فنبَذْتُ العُلَقَ وانطلَقْتُ حيثُ انطلَقَ ولم يزَلْ يخْطو وأعْتَقِبُ ويبْعُدُ وأقتَرِبُ الى أن تَراءىظهر الشّخْصانِ وحقّ التّعارُفُ على الخُلْصانِصديقه فأبْدى حينَئِذٍ الاهْتِشاشَالطرب والبشر ورفَعَ الارتِعاشَ
وقال: منْ كاذَبَ أخاهُ فلا عاشَ! فعرَفْتُ عندَ ذلِكَ أنهُ السَّروجيُّ بِلا مَحالَةٍحيله ولا حُؤولِ حالَةٍ فأسرَعْتُ إليْهِ لأصافِحَهُ وأستَعْرِفَ سانِحَهُ وبارِحَهُ
فقال: دونَكَخذه ابنَ أخيكَ البَرَّ وترَكَني ومَرَّ فلمْ يعْدُ الفتَى أنِ افْتَرّضحك
ثمّ فَرّ كما فَرّ فعُدْتُ وقد استَبَنْتُعرفت عينَهُما
ولكِنْ أينَ هُما