فلمّا نجَحَتْ بُغيَتُهُ وكمَلَتْ مِئَتُهُ أخذَ يُثْني عليْهِمْ بصالِحٍ ويشمِّرُ عنْ ساقِ سارحٍ فتَبِعْتُهُ لأستَعْرِفَ رَبيبَةَ خِدْرِهِ ومنْ قتَلَ في حِدْثانِ أمرِهِ فكأنّ وشْكَ قِيامي مثّلَ لهُ مَرامي فازْدَلَفَ مني
وقال: افْقَهْ عني:
قتْلُ مِثلي يا صاحِ مزْجُ المُدامِ
ليسَ قتْلي بلَهْذَمٍ أو حُسامِ
والتي عُنسَتْ هيَ البكرُ بنتُ
الكَرْمِ لا البِكْرُ من بَناتِ الكِرامِ
ولتَجْهيزِها الى الكاسِ والطّا
سِ قِيامي الذي تَرى ومُقامي
فتَفَهّمْ ما قُلتُهُ وتحَكّمْ
في التّغاضي إنْ شِئتَ أو في المَلامِ
ثمّ قال: أنا عِرْبيدٌ وأنتَ رِعْديدٌ وبيْنَنا بوْنٌ بَعيدٌ
ثمّ ودّعَني وانطَلَقَ وزوّدَني نظرَةً منْ ذي علَقٍ
المقامة المَلْطِيّة
أخبرَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أنَخْتُ بمَلْطِيّةَ مطيّةَ البَينِ وحَقيبَتي ملأى منَ العينِالدموع فجعَلْتُ هِجّيرايَدأبي مُذْ ألقَيْتُ بها عصايَ أن أتورّدَأطلب وأدخل موارِدَ المرَحِالنشاط وأتصيّدَ شوارِدَنوافر المُلَحِ فلمْ يَفُتْني بها منظَرٌ ولا مسمَعٌ ولا خَلا مني ملعَبٌ ولا مرتَعٌموضع خصيب
حتى إذا لمْ يبْقَ لي فيها مأرَبٌحاجة ولا في الثّواءالإقامة بها مَرْغَبٌ عمَدْتُقصدت لإنْفاقِ الذّهبِ في ابتِياعِشراء الأُهَبِعدة السفر
فلمّا أكمَلْتُ الإعْدادَ وتهيّأ الظّعْنُالرحيل منها أو كادَ رأيتُ تِسعَةَ رهْطٍ قد سبأوا قهوَةًخمر وارتَبأوا ربْوَةًكدية ودماثَتُهُمْ قيْدُ الألحاظِ وفُكاهَتُهُمْ حُلوَةُ الألْفاظِ فنحَوْتُهُمْ طلَباً لمُنادَمتِهِمْ لا لمُدامَتِهِمْ وشَعَفاً بمُمازَجَتِهِمْ لا بزُجاجَتِهمْ
فلمّا انتظَمْتُسارت بنظام عاشِرَهُمْ وأضحَيْتُ مُعاشِرَهمْرفقتهم ألفَيتُهُمْوجدتهم أبناءَ عَلاّتٍغرباء وقَذائِفَ فلَواتٍصحاري إلا أنّ لُحْمَةَرابطة الأدَبِ قد ألّفَتْجمعت شمْلَهُمْجمعهم أُلفَةَ النّسَبِ وساوَتْ بينهُم في الرُّتَبِالمنازل
حتى لاحواظهروا مثلَ كواكِبِ الجوْزاءِ وبدَوْا كالجُملَةِ المُتناسِبَةِالمتساوية الأجْزاءِ فأبْهَجَني الاهتِداءُ إليْهِمْ وأحمَدْتُ الطّالِعَالنجم البشير الذي أطلعَني عليْهِمْ وطفِقْتُ أُفيضُأسكب بقِدْحي معَ قِداحِهِمْمقاديرهم وأسْتَشْفي برِياحِهِمْ لا بِراحِهِمْ
حتى أدّتْنا شُجونُهموم المُفاوضَةِ الى التّحاجي بالمُقايَضَةِ كقوْلِكَ إذا عنَيْتَ بهِ الكَراماتِالفضل ما مثلُ النّوْمُ فاتَ فأنْشأنا نجْلونكشف السُهَى والقمرَ ونجْني الشّوْكَ والثّمَرَ وبيْنا نحنُ ننْشُرُ القَشيبَ والرّثَّ وننْشُلُ السّمينَ والغَثَّ وغَلَ عليْنا شيخٌ قد ذهَبَ حِبرُهُالأثر وسِبْرُهُ وبقِيَ خُبْرُهُ وسَبْرُهُ فمثَلَ مُثولَ منْ يسمَعُ وينظُرُ ويلتَقِطُ ما ننْثُرُ الى أن نُفِضَتِألقيت ما فيها الأكياسُأوعية الدراهم وحصْحَصَ الياسُ
فلمّا رأى إجْبالَانقطاع القَرائِحِمواهب الشعر وإكْداءَ الماتِحِساقي ماء البئر والمائِحِ جمَعَ أذيالَهُأطراف ثياب وولاّنا قَذالَهُمؤخرة رأس
وقال: ما كُلّ سوْداء تمْرَةٌ ولا كلّ صهْباء خمرَةٌ فاعْتَلَقْنا بهِ اعتِلاقَ الحِرْباءزاحف بالأعْوادِ وضربْنا دونَ وِجْهَتِهِ بالأسْدادِ
وقلْنا لهُ: إن دَواء الشّقّ أن يُحاصَيُخاط وإلا فالقِصاصَ القِصاصَ فلا تطمَعْ في أن تجْرَحَ وتطْرَحَ وتُنهِرَ الفَتْقَ وتسْرَحَ! فلوَى عِنانَهُ راجِعاً
ثم جثَمَ بمَكانِهِ راصِعاً
وقال: أمّا إذا استَثَرْتُموني بالبَحْثِ فلأحْكُمُ حُكمَ سُلَيْمانَ في الحرْثِ اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ والشَّمولِ الذّهبيّةِ أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ لامتِحانِ الألمَعيّةِ واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ وألْفاظٍ معْنَويّةٍ ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ فمتى نافَتْ هذا النّمَطَ ضاهَتِ السّقَطَ ولمْ تدْخُلِ السّفَطَ ولم أرَكُمْ حافَظتُمْ على هذهِ الحُدودِ ولا مِزْتُمْ بينَ المقبولِ والمرْدودِ
فقُلْنا لهُ: صدَقْتَ وبالحقّ نطَقْتَ فكِلْ لَنا منْ لُبابِكَ وأفِضْ عليْنا منْ عُبابِكَ
فقال: أفْعَلُ لئلاّ يرْتابَ المُبطِلونَ ويظنّوا بيَ الظّنونَ
ثمّ قابلَ ناظُورَةَكبيرهم القومِ وقال:
يا مَنْ سَماارتفع بذَكاءٍ
في الفضلِ واريمبدي النار الزِّنادِ
ماذا يُماثِلُ قولي
جوعٌ أُمِدّ بزادِ
ثمّ ضحِكَ الى الثّاني وأنشدَ:
يا ذا الذي فاقَفضل غيره فضْلاً
ولمْ يُدَنّسْهُ شَينُ
ما مثلُ قوْلِ المُحاجيالألغاز
ظهْرٌ أصابَتْهُ عينُ
ثمّ لحَظَ الثّالِثَ وأنشأ يقول:
يا مَنْ نتائِجُ فكرِهِ
مثلُ النّقودِ الجائِزَهْ
ما مثلُ قولِكَ للّذي
حاجَيْتَ صادَفَ جائِزَهْ
ثمّ أتلَعَمهّد عنقه ونصبه الى الرّابِعِ وقال:
أيا مُستَنْبِطَمستخرج الغام
ضِ منْ لُغْزٍ وإضْمارِ
ألا اكْشِفْ ليَ ما مثلُ
تناوَلْ ألفَ دينارِ
ثمّ رَمى الخامِسَ ببصرِه وقال:
يا أيّهَذا الألْمَع
يّ أخو الذّكاء المُنجَلي
ما مثلُ أهْمَلَ حِليَةً
بيِّنْ هُديتَ وعجِّلِ
ثمّ التفَت لفْتَ السّادِسِ وقال:
يا مَنْ تقصّرُ عن مَدا
هُ خُطى مُجارِيهِ وتضْعُفْ
ما مثلُ قولِكَ للّذي
أضْحى يحاجيكَ اكفُفِ اكفُفْ
ثمّ خلجَغمز السابعَ بحاجِبِه وقال:
يا منْ لهُ فِطنَةٌ تجلّتْ
ورُتبَةٌ في الذّكاء جلّتْعظمت
بيّنْ فما زِلْتَ ذا بَيانٍ
ما مثلُ قولي الشَقيقُ أفلَتْ
ثم استنْصَتَسكت الثّامِنَ وأنشدَ:
يا مَنْ حدائِقُ فضلِهِ
مطلولَةُ الأزهارِ غضّهْ
ما مثلُ قولِكَ للمُحا
جي ذي الحِجىالعقل ما اختارَ فِضّهْ
ثمّ حدجَرمى التاسِعَ ببصرِهِ وقال:
يا منْ يُشارُ إليهِ في
القلبِ الذّكيّ وفي البَراعَهْ
أوضِحْ لنا ما مثلُ قوْ
لِكَ للمُحاجي دُسْ جماعَهْ
قال الراوي: فلما انتهى إليّ هزّ مَنكِبَيّ
وقال:
يا منْ لهُ النُّكَتُالأقوال اللاذعة التي
يُشجييسبب الغصص الخُصومَ بها وينكُتْ
أنتَ المُبينُ فقُلْ لنا
ما مثلُ قوْلي خاليَ اسكُتْ
ثم قال: قد أنْهلْتُكُمْأرويتكم وأمهَلتُكُمْ وإنْ شِئْتُمْ أنْ أعُلّكُمْأسقيكم علّلتُكُمْأشبعكم
قال: فألْجأنا لهَبُ الغُلَلِشدة العطش الى استِسقاءطلب الماء العَلَلِالعطاش
فقال: لستُ كمَنْ يستأثِرُينفرد على نَديمِهِصاحبه ولا ممّنْ سمْنُهُ في أديمِهظاهره
ثمّ كرّ على الأوّلِ وقال:
يا منْ إذا أشكلَ المُعَمّىاللغز
جلَتْهُ أفكارهُ الدّقيقَهْ
إنْ قال يوماً لكَ المُحاجي
خذْ تلكَ ما مِثلُهُ حَقيقَهْ
ثم ثَنى جيدَهُ الى الثّاني وقال:
يا منْ بَدا بيانُهُ
عنْ فضلِهِ مُبيِّنا
ماذا مثالُ قولِهِمْ
حِمارُ وحْشٍ زُيّنا
ثم أوحىأشار الى الثالثِ بلحْظِهِ وقال:
يا منْ غدا في فضلِهِ
وذكائِهِ كالأصْمَعي
ما مثلُ قولِكَ للذي
حاجاكَ أنْفِقْ تقمَعِ
ثمّ حملَقَأحدّ النظر الى الرّابعِ وأنشدَ:
يا منْ إذا ما عَويصٌصعب
دجااسودّ أنارَجعل فيه النور ظلامَهْ
ماذا يُماثِلُ قوْلي
إسْتَنْشِ ريحَ مُدامَهْ
ثمّ أومضَ الى الخامِسِ وقال:
يا مَنْ تنزّهَتباعد فَهمُهُ
عنْ أن يرَوّييفكر أو يَشُكّا
ما مثلُ قولِكَ للذي
أضْحى يُحاجي غطِّ هَلكى
ثمّ أقبلَ قِبَلَ السادِسِ وأنشدَ:
يا أخا الفِطنَةِ التي
بانَ فيها كمالُهُ
سارَ باللّيلِ مُدّةً
أيُّ شيءٍ مثالُهُ
ثم نَحا بصرَهُ الى السابِعِ وقال:
يا منْ تحلّى بفَهْمٍ
أقامَ في الناسِ سوقَهْ
لكَ البَيانُ فبيّنْ
ما مثلُ أحْبِبْ فَروقَهْ
ثم قصدَ قصْدَ الثامنِ وأنشدَ:
يا منْ تبوّأاتخذ مسكناً ذِروَةًقمّة
في المجدِ فاقتْ كلَّ ذرْوَهْ
ما مثلُ قولِكَ أعطِ إذْ
ريقاً يلوحُ بغيرِ عُروَهْ
ثم ابتسمَ الى التّاسِعِ وقال:
يا مَنْ حوَى حُسنَ الدّرا
يَةِ والبَيانِ بغيرِ شكِّ
ما مثلُ قولِكَ للمُحا
جي ذي الذّكاء الثّورُ مِلكي
ثم قبَضَ بجُمْعِهِ على رُدْني وقال:
يا مَنْ سَما بثُقوبِ فِطنَتِهِ
في المُشكلاتِ ونورِ كوْكبهِ
ماذا مِثالُ صَفيرُ جَحفَلةٍ
بيّنْهُ تِبْياناً ينمّ بهِ
قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمّا أطرَبَنا بما سمِعْناهُ وطالَبَنا مُكاشَفَةَ معْناهُ
قُلنا لهُ: لسْنا منْ خيلِ هذا المَيدانِ ولا لَنا بحَلّ هذِه العُقَدِ يَدانِ فإنْ أبَنْتَأوضحت مننْتَفضّلت وإنْ كتَمْتَ غممْتَ فظَلّ يُشاوِرُ نفسَيْهِ ويُقلّبُ قِدْحَيْهِ
حتى هانَ بذْلُ الماعونِ عليْهِ فأقبَلَ حينئذٍ على الجَماعةِ
وقال: يا أّلَ البَلاغَةِ والبَراعَةِ سأعلّمُكُمْ ما لمْ تكونوا تعْلَمونَ ولا ظننْتُمْ أنّكُمْ تُعلَّمونَ فأوْكوا عليْهِ الأوعِيَةَ وروِّضوا بهِ الأنديَةَ
ثمّ أخذَ في تفسيرٍ صقلَجلا به الأذْهانَ واستفْرَغ معهُ الأرْذانَ
حتى آضَتِصارت الأفْهامُ أنْوَرَ منَ الشّمسِ والأكْمامُ كأنْ لمْ تغْنَ بالأمسِ
ولمّا همّ بالمَفرّ سُئِلَ عنِ المَقَرّ فتنفّسَ كم تتنفّسُ الثَّكولُفاقدات الأبناء
وأنشأ يقولُ:
كلُّ شِعْبٍوادي ليَ شِعْبُ
وبهِ رَبْعيَمسكني رحْبُ
غيرَ أنّي بسَروجٍ
مُستَهامُ القلْبِ صَبّ
هيَ أرضي البِكرُ والج
وُّ الذي فيهِ المَهَبّممر
والى روضَتِها الغنّا
ء دونَ الرّوضِ أصْبو
ما حَلا لي بعْدَها حُلْ
وٌ ولا اعْذَوْذَبَيجد حلاوة عذْبُ
قال الراوي: فقلْتُ لأصحابي هذا أبو زيدٍ السَّروجيّ الذي أدْنى مُلَحِهِ الأحاجيّ وأخذْتُ أصِفُ لهُمْ حُسنَ توشيَتِهِتزيينه كلامه وانقِيادَ الكَلامِ لمشيّتِهِ
ثمّ التفَتُّ فإذا بهِ قدْ طمَرَوثب وناءَ بما قمَرَحازه بالقمار فعجِبْنا ممّا صنَعَ إذْ وقَعَ ولمْ ندْرِ أيْنَ سكَعَمشي المتعسّف وصَقَعَ
أما جوع أمدّ بزاد فمثله طواميركتب وأما ظَهر إصابته عَين، فمثله مطاعينكثير الطعن وأما صادف جائزة، فمثله الفاصلةما يفصل وأما تناول ألف دينار، فمثله هاديةمرشدة وأما أهمل حلية، فمثله الغاشيةما يغشى وأما اكفف اكفف، فمثله مهمه وأما الشقيق افلت، فمثله أخطار وأما ما اختار فضة فمثله أبارقةاسم للفضة، لأن الرقةالفضة من أسماء الفضة وقد نطق بها النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال في الرقة ربع العشر وأما دس جماعة، فمثله طافيةخفية وأما خالي اسكت، فمثله خالصة، لأنك إذا ناديت مضافاً الى نفسك جاز لك حذف الياء وإثباتها ساكنة ومتحرّكة، وقد حذف ههنا حرف النداء كما حذفه في أصل الأحجية، وصه بمعنى اسكت وأما خذ تلك، فمثله هاتيك، وأما حمار وحش زينا، فمثله فرازينحمار الوحش،
لأن الفراحمار الوحش حمار الوحش،
ومنه الحديث: كل الصيد في جوف الفرا وأما قوله انفق تقمع، فمثله منتقم، لأن الأمر من مان يمون مُنْ ومضارع وقمت تقِم وأما استنش ريح مدامة، فمثله رحراحريح طيبة، لأن الأمر من استدعاء الرائحة رح وأما غطِّ هلكى، فمثله صُنبور، لأن البورالهلكى هم الهلكى،
وفي القرآن: وكنتم قوماً بوراً وأما سار بالليل مدة، فمثله سراحين وأما احبب فروقة، فمثله مقلاع، لأن الأمر من ومق يمق مق، واللاع الجبان، يقال فلان هاع لاع إذا كان جباناً جزعاً وأما اعطِ إبريقاً يلوح بغير عروة، فمثله اسكوبإبريق بغير عروة، لأن الأوس الإعطاء والأمر اس، والكوب الإبريق بغير عروة، وأما الثور ملكي، فمثله اللآلي، لأن اللأىثور الوحش على وزن القنا هو ثور الوحش وأما صفير جحفلة، فمثله مكاشفة، لأن المكاءالصفير الصفير
قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية؛ والأصل في المكاء المد ولكنه قصره في هذه الأحجية كما حذف همزة الفراء في أحجيته وكلا الأمرين من قصر الممدود وحذف همزة المهموز جائز