حكى الحارثُ بنُ همّامٍشجاع قال: كنتُ في عُنفُوانِأول الشّبابِ ورَيْعانِ العيْشِ اللُّبابِالخالص أقْليأبغض الاكتِنانَالاستتار بالغابِ وأهْوى الانْدِلاقَالخروج بسرعة منَ القِرابِغمده لعِلْمي أنّ السّفَرَ ينفِجُيكثر السُّفَرَ ويُنتِجُ الظّفَرَالفوز ومُعاقَرَةَ الوطَنِ تَعْقِرُتبلد الفِطَنَ وتحْقِرُ مَنْ قطَنَسكن
فأجَلْتُ قِداحَ الاستِشارَةِ واقْتدَحْتُ زِنادَمقدح الاستِخارَةِ
ثمّ استجَشْتُحشد جأشاًالقلب أثْبَتَ منَ الحِجارَةِ وأصْعَدْتُ الى ساحِلِ الشّامِ للتّجارَةِ
فلمّا خيّمتُ بالرّملَةِ وألقَيتُ بها عَصا الرّحلَةِ صادَفْتُ بها رِكاباً تُعَدّ للسُّرى ورِحالاً تُشَدّ الى أمّ القُرىمكة فعصَفَتْ بي ريحُ الغَرامِالشوق واهْتاجَ لي شَوْقٌ الى البيتِ الحَرامِ فزمَمْتُ ناقَتي ونبذْتُ عُلَقيما يتعلق وعَلاقَتي
وقلتُ للائِمي أقصِرْاكفف فإنّي
سأخْتارُ المَقامَالبقاء على المُقامِ
وأُنفِقُ ما جمَعتُ بأرضِ جمْعٍ
وأسْلو بالحَطيمِ عنِ الحُطامِمتاع الدنيا
ثم انتَظَمْتُانضممت معَ رُفقَةٍ كنجومِ اللّيلِ لهُمْ في السيرِ جِرْيَةُمسيرة السّيلِ
والى الخيرِ جرْيُ الخَيلِ فلمْ نزَلْ بينَ إدْلاجٍسير الليل وتأوِيبٍ وإيجافٍ وتقْريبٍ الى أنْ حبَتْناأكرمتنا أيْدي المَطاياالإبل بالتُّحْفَةِ في إيصالِنا الى الجُحْفَةِميقات فحلَلْناها متأهّبينَمستعدين للإحْرامِ مُتباشِرِينَ بإدْراكِ المَرامِ فلمْ يكُ إلا أنْ أنَخْناأنزلنا بها الرّكائِبَ وحطَطْنا الحقائِبَ
حتى طلعَ عليْنا منْ بينِ الهِضابِالتلال شخْصٌ ضاحي الإهابِظاهر الجلد
وهوَ يُنادي: يا أهْلَ ذا النّاديالمجلس هلُمّ الى ما يُنْجي يوْمَ التّنادييوم القيامة! فانْخرَطَ إليْهِ الحَجيجُ وانْصلَتوا واحْتَفّوا بهِ وأنْصَتوا
فلمّا رأى تأثُّفَهُمْتجمعهم حولَهُ واستِعْظامَهُمْ قولَهُ تسَنّمَاعتلى إحْدى الإكامِ
ثمّ تنحْنَحَ مُستَفْتِحاً للكلامِ
وقال: يا معْشرَ الحُجّاجِ النّاسِلينَالمسرعين منَ الفِجاجِالطرق أتَعْقِلونَ ما تُواجِهونَ والى منْ تتوجّهونَ؟ أم تدرونَ على مَنْ تَقْدَمونَ
وعلامَ تُقدِمونَ؟ أتَخالونَ أنّ الحجّ هوَ اختِيارُ الرّواحلِالإبل وقطْعُ المراحِلِالمواضع واتّخاذُ المَحامِلِآلات من خشب وإيقارُ الزّوامِلِ؟ أم تظنّونَ أنّ النُسْكَالتعبّد هوَ نَضْوُ الأرْدانِتجريد الثياب وإنْضاءُ الأبْدانِ ومُفارقَةُ الوِلْدانِ والتّنائي عنِ البُلْدانِ؟ كلاّ واللهِ بل هوَ اجتِنابُ الخَطيّةِالذنب قبلَ اجْتِلابِ المطيّةِ وإخلاصُ النّيّةِ في قصْدِ تلكَ البَنِيّةِالكعبة وإمْحاضُ الطّاعةِ عندَ وُجْدانِإصابة الاستِطاعَةِالقدرة وإصْلاحُ المُعامَلاتِأفعال الناس أمام إعْمالِ اليَعْمَلاتِاستعمال الإبل فوالذي شرَعَ المَناسِكَ للنّاسِكِ وأرشَدَ السّالِكَ في اللّيلِ الحالِكِ ما يُنْقي الاغتِسالُ بالذَّنوبِ منَ الانغِماسِ في الذُّنوبِ! ولا تعدِلُتقاوم تعرِيَةُ الأجْسامِ بتَعْبِيَةِ الأجْرامالأجسام ولا تُغْني لِبْسَةُهيئة الإحْرامِ عنِ المتلبِّسِ بالحَرامِ ولا ينفَعُ الاضْطِباعُاشتمال بالإزارِ معَ الاضْطِلاعِ بالأوْزارِ ولا يُجْديينفع التّقرّبُ بالحَلْقِ مع التّقلّبِ في ظُلْمِ الخلْقِ ولا يَرْحَضُيغسل التّنسّكُ في التّقصيرِأخذ الشعر درَنَوسخ التّمسّكِتعلق بالتّقصيرِ ولا يَسعَدُ بعَرَفَةَ غيرُ أهلِ المعرِفَةِ ولا يزْكوينمو بالخَيْفِ منْ يرغَبُ في الحَيْفِظلم ولا يشْهَدُ المَقامَ إلا منِ استَقامَ ولا يَحْظىيفوز بقَبولِ الحِجّةِ منْ زاغَمال عنِ المحَجّةِطريق مستقيم فرحِمَ اللهُ امْرأً صَفاصفاء قلب قبلَ مسْعاهُسعي الى الصّفاصخرة وورَدَ شَريعةَطريقة الرّضى قبلَ شُروعِهِ على الأضاغدران
ونزعَ عنْ تَلْبيسِهِتخليط قبلَ نزْعِزال مَلبوسِهِ وفاضَ بمعْروفِهِ قبلَ الإفاضَةِنهاية الطواف منْ تعريفِهِوقوف بعرفة
ثمّ رفعَ عَقيرَتَهُصوت بصوتٍ أسْمَعَ الصُمَّ وكادَ يُزعزِعُيحرك الجِبالَ الشُمَّمرتفعة
وأنشدَ:
ما الحَجُّ سيرُكَ تأويباً وإدْلاجا
ولا اعْتِيامُكَ أجْمالاً وأحداجا
ألحَجُّ أن تقصِدَ البيتَ الحرامَ على
تجْريدِكَ الحَجّ لا تقْضي به حاجا
وتمْتَطي كاهِلَ الإنْصافِ متّخذاً
ردعَ الهَوى هادِياً والحَقَّ مِنْهاجا
وأنْ تُؤاسيَ ما أوتيتَ مَقدُرَةً
مَنْ مدّ كفّاً الى جدْواكَ مُحْتاجا
فهَذهِ إنْ حوَتْها حِجّةٌ كمُلَتْ
وإنْ خَلا الحجُّ منها كان إخداجا
حسْبُ المُرائينَالمظهرين الخير غَبْناً أنهُمْ غرَسوا
وما جنَوا ولَقوا كدّاًعجلة وشدة وإزْعاجا
وأنّهُمْ حُرِموا أجْراً ومَحْمَدَةً
وألحَموا عِرضَهمما يسب أو يمدح من عابَ أوْ هاجىشاتم وساب
أُخَيَّ فابْغِ بما تُبدِيهِ منْ قُرَبٍ
وجْهَ المُهَيمِنِ ولاّجاًمدخل وخرّاجا
فلَيسَ تخْفَى على الرّحمَنِ خافِيَةٌ
إنْ أخلَصَ العبدُ في الطاعاتِ أو داجىمنافق
وبادِرِ الموْتَ بالحُسْنى تُقدّمُها
فما يُنَهْنَهُيزجر داعي الموتِ إن فاجا
واقْنَ التّواضُعَ خُلْقاًطبيعة لا تُزايِلُهُ
عنكَ اللّيالي ولوْ ألْبَسنَكَ التّاجا
ولا تَشِمْ كلَّ خالٍسحاب لاحَ بارِقُهُ
ولوْ تَراءىتظاهر هَتونَكثير الماء السّكْبِالصّبّ ثجّاجاصبّابا
ما كُلّ داعٍ بأهلٍ أن يُصاخَيسمع لهُ
كم قد أصَمّكسب الصمم بنَعيٍ بعضُ منْ ناجىحدّث
وما اللّبيبُالعاقل سوى مَنْ باتَ مُقتنعاً
ببُلْغَةٍ تُدرِجُتطوي الأيّامَ إدْراجا
فكلُّ كُثْرٍكثرة الى قُلٍّقلة مَغبّتُهُعاقبته وآخره
وكلّ نازٍمرتفع الى لينٍفتور وإنْ هاجاشاتم وساب
قال الرّاوي: فلمّا ألْقَحَجعل خصباً عُقْمَ الأفْهامِ بسِحْرِ الكَلامِ استَروَحْتُ ريحَ أبي زيدٍ ومادَ بيَ الارْتِياحُ إليْهِ أيَّ ميْدٍ فمكثْتُ حتى استوْعَبَ نثَّ حِكمَتِهِ وانحدَرَ منْ أكمَتِهِ
ثمّ دلَفْتُمشى رويدا إليْهِ لأتصفّحَ صفَحاتِ مُحيّاهُ واستشِفّ جوهَرَ حِلاهُ
فإذا هوَ الضّالّةُ التي أنشُدُها وناظِمُ القَلائِدِ اللاتي أنشدَها فعانَقْتُهُ عِناقَ اللامِ للألِفِ ونزّلتُهُ منزِلَةَ البُرْء عندَ الدّنِفِمرض شديد وسألتُهُ أن يُلازِمَني فأبى أو يُزامِلَني فنَبارفض
وقال: آلَيتُ في حِجّتي هذِهِ أن لا أحْتَقِبَحمل زاد الرحلة ولا أعتَقِبَتناوب ولا أكتَسِبَ ولا أنتَسِبَ ولا أرتَفِقَانتفع ولا أُرافِقَ ولا أُوافِقَ منْ يُنافِقُ
ثمّ ذهبَ يهرْوِلُ وغادرَني أوَلوِلُناح فلمْ أزَلْ أقْريهِ نظَري وأوَدُّ لوْ يمشي على ناظِري
حتى توقّلَعلا أحدَ الأطْوادِالجبال ووقفَ للَجيجِ بالمِرْصادِ
فلمّا شاهدَ إيضاعَبدء السير الرُكْبانِ في الكُثْبانِ وقّعَ بالبَنانِ على البَنانِ
واندفَعَ يُنشِدُ:
ليسَ منْ زارَ راكِباً
مثلَ ساعٍساعٍ على القدَمْ
لا ولا خادِمٌ أطايطيع
عَ كعاصٍ منَ الخدَمْ
كيفَ يا قوْمِ يسْتَوي
سعْيُ بانٍ ومَنْ هدمْ
سيُقيمُ المُفَرِّطو
نَ غداً مأتَمَمناحة النّدَمْ
ويقولُ الذي تقرّ
بَ طوبَى لمنْ خدَمْ
ويْكِويلك يا نفْسُ قدّمي
صالحاً عندَ ذي القِدَمْ
وازْدَري زُخْرُفَزينة الحيا
ةِ فوُجْدانُهُ عدَمْ
واذْكُري مصْرعَ الحِما
مِ إذا خطْبُهُأمره الشديد صدَمْضرب
وانْدُبي فعْلَكِ القَبي
حَ وسُحّي لهُ بدَمْ
وادْبُغيهِ بتوْبَةٍ
قبلَ أن يحْلَمَيتثقب الأدَمْالناس
فعسى اللهُ أنْ يقي
كِ السّعيرَالنار المتقدة الذي احتدَمْالتهب
يومَ لا عثْرَةٌ تُقا
لُ ولا ينفعُ السّدَمْالندم
ثمّ إنّهُ أغمضَ عضْبَحد لِسانِهِ وانطلَقَ لِشانِهِ فما زِلْتُ في كلّ موْرِدٍموضع الماء نرِدُهُ ومعَرَّسٍ نتوسّدُهُ أتفقّدُهُ فأفْقِدُهُ وأستَنْجِدُ بمَنْ يَنشُدُهُ فلا يجِدُهُ
حتى خِلتُ أنّ الجِنّ اختَطفَتْهُ أوِ الأرضَ اقتطَفَتْهُ فما كابَدْتُ في الغُربَة كهذهِ الكُربَةِالهم ولا مُنِيتُ في سَفْرَةٍ بمِثلِها منْ زفْرَةٍ