← المقامات
المقامة الخامسة والأربعون

المقامة الرملية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: كنتُ أخذْتُ عنْ أولي التّجارِيبِ أنّ السّفَرَ مِرآةُ الأعاجيبِ فلمْ أزَلْ أجوبُأقطع كلّ تَنوفَةٍقفرة وأقتَحِمُ كُلّ مَخوفَةٍ

حتى اجتَلَبْتُ كلّ أُطروفَةٍعجيبة فمِنْ أحسَنِ ما لمحْتُهُنظرته وأغْرَبِ ما استَمْلَحْتُهُوجدته مليحا أنْ حضَرْتُ قاضيَ الرّملَةِ وكانَ منْ أربابِ الدّولَةِ والصّولَةِ وقد تَرافَعَتداعى للحكومة إليْهِ بالٍشيخ كبير في بالٍ وذاتُ جَمالٍ في أسْمالٍثياب خلقة فهمّ الشيخُ بالكلامِ وتِبْيانِ المَرامِالمراد فمنعَتْهُ الفَتاةُ منَ الإفْصاحِالتبيين وخسأتْهُ عنِ النُباحِالكلام

ثمّ نضَتْجردت عنها فَضْلَةَتفوقه الوِشاحِالحزام

وأنشدَتْ بلِسانِ السّليطَةِالمستطيلة بلسانها الوَقاحِقليلة الحياء:

يا قاضيَ الرّملَةِ يا ذا الذي

في يدِهِ التّمرَةُ والجَمْرَهْ

إليْكَ أشْكو جوْرَ بعْلي الذي

لمْ يحجُجِ البيتَ سوى مرّهْقاسية

ولَيْتَهُ لمّا قضى نُسكَهُ

وخفّ ظَهراً إذْ رمى الجَمرَهْ

كانَ على رأيِ أبيرفض يوسُفٍ

في صِلَةِارتباط الحِجّةِ بالعُمْرَهْ

هذا على أنّيَ مُذْحين ضمّنياحتضنني

إليْهِ لمْ أعْصِأخالف لهُ أمْرَهْ

فمُرْهُ إمّا أُلفَةًمحبة حُلوَةً

تُرْضي وإمّا فُرقَةًفراق مُرّهْ

منْ قبلِ أنْ أخلَعَأنزع ثوْبَ الحَياالحياء

في طاعَةِ الشيخِ أبي مرّهْ

فقال لهُ القاضي: قد سمِعتَ بما عزَتْكَألزمتك إليْهِ وتوعّدَتْكَ عليْهِ فجانِبْابتعد ما عرّكَأوقعك وحاذِرْ أنْ تُفرَكَتكره زوجتك وتُعْرَكَ فجَثا الشيخُ على ثفِناتِهِركبتيه وفجَرَ ينْبوعَمنبع نفثَاتِهِكلماته

وقال:

إسمَعْ عداكَ الذّمُّكفاك ذمّاً قولَ امرئٍرجل

يوضِحُيبين في ما رابَهاشكك فيها عُذرَهْ

واللهِ ما أعْرَضْتُ عنها قِلًىبغض

ولا هَوَىميل، رغبة قلبي قضى نذرَهْوعده

وإنّما الدهْرُ عَدا صرْفُهُمصائبه

فابْتَزّنا الدُّرّةَلؤلؤة ثمينة والذّرّهْ

فمنزِلي قفرٌ كما جِيدُهاعنقها

عُطْلٌخال منَ الجَزْعَةِخرز يماني والشّذْرَهْ

وكنتُ منْ قبْلُ أرى في الهَوىالحب

ودينِهِ رأيَ بني عُذرَهْقبيلة عشاق

فمُذْ نَبا الدهرُ هجَرْتُ الدُّمىالنساء

هِجرانَ عفٍّعفيف آخِذٍ حِذْرَهْ

ومِلتُ عنْ حَرْثيَنكاحي لا رغبَةً

عنهُ ولكِنْ أتّقي بَذْرَهْما يزرع

فلا تلُمْ مَنْ هذِهِ حالُهُ

واعطِفْ عليْهِ واحتَمِلْ هَذرَهْهذيانه

قال: فالتَظَتِ المرأةُ منْ مَقالِهِ وانتضَتِ الحُجَجَ لجِدالِهِ

وقالتْ لهُ: ويلَكَ يا مَرْقَعانُرجل مرقع يا مَنْ هُو لا طَعامٌ ولا طِعانٌكثير الطعن! أتَضيقُ بالولَدِ ذرْعاًصبرا ولكُلّ أكولَةٍ مرْعًى؟ لقدْ ضلّ فهْمُكَ وأخطأ سهمُكَمرادك وسفِهَتْ نفسُكَ وشقِيَتْ بِكِ عِرسُكَزوجتك فقال لها

القاضي: أمّا أنتِ فلوْ جادَلتِخاصمت الخنْساء لانثَنَتْ عنكِ خرْساءبكماء وأما هوَ فإنْ كانَ صدَقَ في زعمِهِادعاؤه ودعْوى عُدْمِهِ فلهُ في همّ قَبْقَبِهِبطنه ما يشغلُهُ عنْ ذبْذَبِهِذكره فأطرَقَتْ تنظُرُ ازوِراراًميلانا ولا تُرجِعُ حِواراًكلاما

حتى قُلْنا: قد راجعَها الخفَرُالحياء أو حاقَلحق بها الظّفَرُالانتصار

فقالَ لها الشيخُ: تعْساًهلاكا لكِ إنْ زخْرفْتِزينت

أو كتَمْتِ ما عرَفْتِ! فقالت: ويْحَكَ وهلْ بعْدَ المُنافَرَةِالمحاكمة كتْمٌ أو بقيَ لنا على سِرٍّ ختْمٌربط؟ وما فينا إلا مَنْ صدَقَ وهتَكَ صوْنَهُحفظه إذ نطَقَ فلَيتَنا لاقَيْنا البَكَمَالخرس ولمْ نلْقَ الحكَمَالحاكم

ثمّ التفَعَتْالتفت بوِشاحِها وتباكَتْ لافْتِضاحِهالفضيحتها وجعلَ القاضي يَعجَبُيدهش منْ خطبِهِماامرهما ويُعجِّبُ ويلومُ لهُما الدّهْرَ ويؤنِّبُ

ثمّ أحْضَرَ من الورِقِالدراهم ألْفَينِ

وقال: أرْضِيا بهِما الأجْوَفَينِبطن وفرج وعاصِيا النّازغَ بينَ الإلْفينِالصاحبين فشَكَراهُ على حُسنِ السَّراحِالانصراف وانطَلَقا وهُما كالماء والرّاحِ وطفِقَ القاضي بعْدَ مسرَحِهِماانصرافهما وتَنائي شبَحِهِما يُثْنييمدح على أدَبِهِما

ويقول: هل منْ عارِفٍ بهِما؟ فقال لهُ عينُ أعْوانِهِمساعدوه

وخالِصَةُ خُلْصانِهِمقربوه: أما الشيخُ فالسّروجيّ المشهودُ بفضلِهِ وأما المرأةُ فقَعيدَةُ رحْلِهبيته وأمّا تحكُمُهما فمَكيدةٌ من فِعلِهِ وأُحبولَةٌ من حبائِلِفخاخ ختْلِهخداعه! فأحْفَظَ القاضيَ ما سمِعَ وتلهّبَ كيفَ خُدِعَغش

ثمّ قال للواشي بهِما: قُمْ فرُدْهُما

ثم اقصِدْهُمااذهب إليهما وصِدْهُما فنهضَ ينفُضُ مِذروَيْهِذراعيه

ثمّ عادَ يضرِبُ أصْدَرَيْهِ! فقال لهُ القاضي: أظهِرْنا على ما نبَثْتَبحثت

ولا تُخْفِتخفي عنّا ما استَخْبَثْتَوجدت خبثاً

فقال: ما زِلْتُ أستَقْريأتبع الطُّرُقَ وأستَفتِحُ الغُلُقَالصعاب الى أن أدرَكْتُهُماوجدتهما مُصْحِرَينِظاهرين وقد زمّاربطا مطيَّدواب البيْنِالفراق فرغّبتُهُما في العَلَلِالأسباب وكفَلْتُ لهُما بنَيلِ الأمَلِ فأُشْرِبَ قلبُ الشّيخِ أن ييْأسَيفقد الأمل

وقال: الفِرارُ بقُرابٍ أكيَسُأذكى! وقالتْ هيَ: بلِظفرت به العوْدُ أحمَدُأفضل والفَروقَةُ يَكْمَدُيحزن

فلمّا تبيّنعلم الشيخُ سفَهَ رائِها وغَرَرَ اجتِرائِها أمسكَ ذَلاذِلَها

ثمّ أنشأ يقول لها:

دونَكَ نُصْحي فاقتَفي سُبْلَهْ

واغني عنِ التّفصيلِ بالجُملَهْ

طيري متى نقّرْتِبحثت عن نخلَةٍ

وطلّقِيها بتّةًلا رجعة فيها بتْلَهْ

وحاذِري العوْدَ إليْها ولوْ

سبّلَهاطرقها ناطورُهاحارس النخل الأبْلَهْكثير الغفلة

فخيرُ ما للّصّ أنْ لا يُرى

ببُقْعةٍ فيها لهُ عَمْلَهْسرقة

ثمّ قال لي: لقدْ عُنّيتَتعبت في ما وُلّيتَكلفت فارجِعْ منْ حيثُ جِئْتَ

وقلْ لمُرسِلِكَ إن شِئْتَ:

رُوَيدَكَرفقك لا تُعقِبْتتبع جَميلَكَ بالأذى

فتُضْحي وشملُ المال والحمد مُنصَدعْمتفرق

ولا تتغضّبْ منْ تزَيُّدِ سائِلٍ

فما هوَ في صوْغِ اللّسانِكذب وحيل بمُبتدِعْ

وإنْ تكُ قد ساءتكَأحزنتك مني خَديعَةٌ

فقبلكَ شيخُ الأشعرِيّينَ قد خُدِعْ

فقالَ لهُ القاضي: قاتَلَهُ اللهُ فما أحسَنَ شُجونَهُ وأملَحَ فنونَهُ! ثمّ إنّهُ أصْحَبَ رائِدَهُطالبه بفرْدَينِ وصُرّةً منَ العينِالذهب والفضة

وقالَ لهُ: سِرْ سَيرَ منْ لا يرَى الالتِفاتَ الى أن تَرى الشيْخَ والفَتاةَ فبُلّ يدَيْهِما بهَذا الحِباءالعطاء وبيّن لهُما انخِداعي للأدَباء

قال الرّاوي: فلمْ أرَ في الاغتِرابِ كهَذا العُجابِ ولا سمِعْتُ بمِثلِه ممّنْ جالَتصرّف وجابَ