← المقامات
المقامة التاسعة والعشرون

المقامة الواسطية

١٠ دقائق

حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: ألْجأنياضطرني حُكمُقضى دهْرٍ قاسِطٍجائر الى أنْ أنتَجِعَألتمس رزق أرضَ واسِطٍ فقصَدْتُها وأنا لا أعرِفُ بها سكَناًصاحب يؤنس به ولا أملِكُ فيها مسْكِناً

ولمّا حللْتُهانزلت حُلولَ الحوتِ بالبَيْداءِ والشّعرَةِ البيضاء في اللِّمَةِخصلة شعر السّوداء قادَني الحظُّ الناقِصُ والجَدُّ النّاكِصُمتراجع الى خانٍ ينزِلُهُ شُذّاذُمتفرقون الآفاقِالنواحي وأخْلاطُ الرّفاقِ وهوَ لنَظافَةِ مكانِهِ وظَرافَةِ سكّانِهِ يرَغّبُ الغَريبَ في إيطانِهِإقامته ويُنسِيهِ هوَىحب أوطانِهِبلاده فاستَفْرَدْتُ منهُ بحُجرَةٍ ولمْ أُنافِسْأغال في أُجرَةٍثمن فما كان إلا كلَمْحِ طرْفٍ أو خطّ حرْفٍ

حتى سمِعتُ جاري بيْتَ بيْتَ

يقولُ لنَزيلِهِ في البيتِ: قُمْ يا بُنيّ لا قَعَدَ جَدُّكَ ولا قامَ ضِدُّكَ واستَصْحِبْ ذا الوجْهِ البَدْريّكالبدر واللّوْنِ الدُرّيّيشبه الدر والأصْلِ النّقيّالخالص، الطاهر والجسْمِ الشّقيّالمتعذب الذي قُبِضَ ونُشِرَ وسُجِنَ وشُهِرَ وسُقِيَ وفُطِمَ وأُدْخِلَ النّارَ بعْدَما لُطِمَضرب

ثمّ ارْكُضْأسرع بهِ الى السّوقِ ركْضَ المَشوقِكثير الشوق فقايِضْ بهِ اللاّقِحَالملقح المُلْقِحَمخرج النار المُفسِدَ المُصلِحَ المُكْمِدَالمحزن المُفَرِّحَالمبهج المُعَنّيَالمتعب المُروّحَالمنعش ذا الزّفيرِصوت النفس المُحرِقِ والجَنينِ المُشرِقِالمضيء واللّفْظِ المُقنِعِالكافي والنَّيْلِ المُمْتِعِالمسرور الذي إذا طُرِقَأتى ليلاً رعَدَصوّت وبرَقَ وباحَ بالحُرَقِ ونفَثَ في الخِرَقِسقوط نار الزند

قال:

فلمّا قرّتْسكنت شِقْشِقَةُ الهادِرِالفحل ولمْ يبْقَ إلا صدَرُ الصّادِرِخروج شارب الماء برزَخرج فتًى يَميسُيتبختر وما معَهُ أنيسٌ فرأيتُها عُضْلَةًداهية تلعَبُ بالعُقولِ وتُغْري بالدّخولِ في الفُضولِ فانطلَقْتُ في أثَرِ الغُلامِ لأخْبُرَ فحْوَىمعنى الكلامِ فلمْ يزَلْ يسْعىيجري سعْيَ العَفاريتِشر الشياطين ويتفَقّدُ نضائِدَشيء فوق شيء الحوانيتِ

حتى انْتَهى عندَ الرّواحِالعشيّ الى حِجارَةِ القَدّاحِحجر إشعال النار فناوَلَ بائِعَها رَغيفاً وتَناوَلَ منهُ حجَراً لَطيفاًدقيقا فعَجِبْتُ منْ فَطانَةِذكاء المُرسِلِ والمُرسَلِ وعلِمْتُ أنّها سَروجيّةٌ وإنْ لم أسْألْ وما كذّبْتُما خيّبت أنْ بادَرْتُ الى الخانِفناء الفندق منطَلِقَ العِنانِمسيّب حيث شاء لأنظُرَ كُنْهَحقيقة فَهْمي وهلْ قرْطَسَأصاب الغرض في التّكهّنِالحديث بما يكون سَهْمي

فإذا أنا في الفِراسَةِالنظر بالظّن فارِسٌ وأبو زيْدٍ بوَصيدِ الخانِ جالِسٌ فتَهادَيْنا بُشْرى الالتِقاء وتقارَضْنا تحيّةَ الأصْدِقاء

ثمّ قال: ما الذي نابَكَ

حتى زايَلْتَ جَنابَكَ؟

فقلت: دهْرٌ هاض

وجَوْرٌ فاضَ! فقال: والذي أنزَلَ المطرَ منَ الغَمامِ وأخرَجَ الثّمرَ من الأكْمامِ لقدْ فسَدَ الزّمانُ وعمّ العُدْوانُ وعُدِمَ المِعْوانُ واللهُ المُستَعانُ فكيفَ أفْلَتَّ وعلى أيّ وصْفَيْكَ أجْفَلْتَ؟

فقلتُ: اتّخَذْتُ الليْلَ قَميصاً وأدْلَجْتُ فيهِ خَميصاً فأطْرَقَ ينْكُتُيخط الأرض في الأرضِ ويفكّرُ في ارتِيادِطلب القَرْضِما يستعاد عوضه والفَرْضِ

ثمّ اهزّ هِزّةَ مَنْ أكْثَبَهُدنا منه قنَصٌصيد أو بدَتْ لهُ فُرَصٌغنيمة

وقال: قد علِقَ بقَلْبي أن تُصاهِرَ منْ يأسويطبّ جِراحَكَ ويَريشُ جَناحَكَ

فقلتُ: وكيفَ أجمَعُ بيَ غُلٍّ وقُلٍّ ومنِ الذي يرْغَبُ في ضُلّمجهول بنِ ضُلٍّ؟

فقالَ: أنا المُشيرُرافع قدرك بكَ وإلَيْكَ والوكيلُ لكَ وعليْكَ معَ أنّ دينَ القوْمِ جبْرُ الكَسيرِ وفكُّ الأسيرِ واحتِرامُ العَشيرِ واستِنْصاحُ المُشيرِ إلا أنهُمْ لوْ خطَبَ إلَيْهِمْ إبْراهيمُ بنُ أدهَمَ أو جبَلَةُ بنُ الأيْهَمِ لما زوّجوهُ إلا على خَمْسِمائَةِ دِرْهَمٍ اقتِداءًاتباع بما مهَرَتعيين مهر الرّسولُ صلّى اللهُ عليْهِ وسلّمَ زوْجاتِهِ وعقَدَ بهِ أنكِحَةَ بَناتِهِ على أنّك لنْ تُطالَبَ بصَداقٍ ولا تُلْجأ الى طَلاقٍ

ثمّ إني سأخْطُبُ في موقِفِ عقْدِكَ ومجْمَعِ حشْدِكَجمعك خُطبَةً لمْ تفتُقْتشق رَتْقَغلق سمْعٍ ولا خُطِبَ بمِثلِها في جمْعٍ

قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فازْدَهاني بوصْفِ الخُطْبَةِ المَتْلُوَّةِالمقروءة دونَ الخِطبَةِ المَجْلُوّةِكشف وجهها

حتى قُلتُ لهُ: قد وَكلْتُأسندت إليك إليْكَ هذا الخطْبَالأمر فدبّرْهُ تدْبيرَ منْ طَبّأصلح لمَنْ حبّ فنهضَ مُهَرْوِلاًمسرعا

ثمّ عادَ متَهلّلاًمستبشرا

وقال: أبْشِرْ بإعْتابِ الدّهْرِ واحْتِلابِ الدّرّاللّبن! فقد وُلّيتُأعطيت العَقْدَ وأُكفِلْتُ النّقْدَالمال الحاضر وكأنْ قدْ

ثمّ أخذَ في مُواعدَةِ أهلِ الخانِ وإعْدادِ حَلْواء الخِوانِالمائدة

فلمّا مدّ اللّيلُ أطْنابَهُ وأغْلَقَ كُلُّ ذي بابٍ بابَهُ

أذّنَصاح في الجَماعَةِ: ألا احْضُروا في هذهِ السّاعةِ! فلمْ يبْقَ فيهِمْ إلا منْ لَبّىأجاب صوتَهُ وحَضرَ بيْتَهُ

فلمّا اصْطَفّوا لدَيْهِ واجتمَعَ الشاهِدُ والمشْهودُ علَيْهِ جعلَ يرْفَعُ الأصْطُرْلابَآلة ويضَعُهُ ويلْحَظُ التّقويمَالتعديل ويدَعهُ الى أن نعَسَ القوْمُ وغشِيَ النّومُ

فقلْتُ لهُ: يا هَذا ضعِ الفاسَ في الرّاسِ وخلّصِ النّاسَ منَ النّعاسِ فنظَرَ نظْرَةً في النّجومِ

ثمّ انْتشَطَانحلّ منْ عُقلَةِ الوجومِالعبوس وأقْسمَ بالطُّورِ والكِتابِ المسْطورِ ليَنْكَشِفَنّ سِرّ هَذا الأمْرِ المسْتورِ ولَيَنْتَشِرَنّ ذِكْرُهُ الى يوْمِ النُّشورِ

ثمّ إنّهُ جَثاجلس على رُكْبَتِهِ واستَرْعى الأسْماعَالآذان لخُطْبَتِهِ

وقال: الحمدُ للهِ الملِكِ المحْمودِ المالِكِ الوَدودِ مُصَوّرِ كُلّ موْلودٍ ومآلِ كلّ مطْرودٍ ساطِحِناشر المِهدِ وموَطِّدِ الأطْوادِجبال ومُرْسِلِ الأمطارِ ومسَهِّلِ الأوْطارِحاجات وعالِمِ الأسْرارِ ومُدْرِكِها ومُدمِّرِ الأمْلاكِ ومُهْلِكِها ومُكَوِّرِ الدّهورِأزمان ومُكرِّرِها ومُوردِ الأمورِ ومُصدِرِها عمّ سَماحُهُ وكَملَ وهطَلَ رُكامُهُسحب وهمَلَ وطاوَعَ السّؤلَطلب والأمَلَ وأوْسَعَ المُرْمِلَفقير والأرْمَلَ أحْمَدُهُ حمْداً ممْدوداً مَداهُغايته وأُوَحّدُهُ كما وحّدَهُ الأوّاهُالمتأوه وهوَ اللاهُ لا إلَهَ للأمَمِ سِواهُ ولا صادِعَمفرق لِما عدّلَهُ وسَوّاهُ أرْسَلَ محمّداً علَماًإمام للإسْلامِ وإماماً للحُكّامِ ومُسدِّداً للرَّعاعِ ومعَطِّلاً أحْكامَ وُدٍّصنم وسُواعٍ أعْلَمَ وعلّمَ وحكَمَ وأحْكَمَ وأصّلَداوم الأصولَ ومهّدَ وأكّدَ الوعودَ وأوْعَدَ واصَلَ اللهُ لهُ الإكْرامَ وأوْدَعَ روحَهُ دارَ السّلامِ ورَحِمَ آلَهُ وأهْلَهُ الكِرامَ ما لمَعَ آلٌ وملَعَ رالٌفرخ النعام وطلَعَ هِلالٌ وسُمِعَ إهلالٌالتلبية

إعْمَلوا رعاكُمُ اللهُ أصلَحَ الأعْمالِ واسْلُكوا مسالِكَ الحلالِ واطّرِحوا الحَرامَ ودعوهُ واسْمَعوا أمرَ اللهِ وعُوهُاحفظوه وصِلوا الأرْحامَالقرابات وراعوها وعاصوا الأهْواءَدواعي النفس وارْدَعوها وصاهِروا لُحَمَقرابات الصّلاحِ والوَرَعِ وصارِموا رهْطَ اللهْوِ والطّمَعِ ومُصاهِرُكُمْ أطْهَرُ الأحْرارِ مولِداً وأسْراهُمْ سودَداً وأحْلاهُمْ مَوْرِداً وأصحّهم موْعِداً وها هُوَ أَمّكُمْقصدكم وحلّ حرَمكُمْبلدكم مُمْلِكاًمتزوّجا عَروسَكُمُ المُكرّمةَ وماهِراً لها كما مهَرَ الرّسولُ أمَّ سلمَةَ وهوَ أكْرَمُ صِهْرٍ أودِعَ الأوْلادَ ومُلّكَ مَنْ أرادَ وما سَهاأخطأ مُمْلِكُهُمنكحه ولا وَهِمَ ولا وَكِسَغبن مُلاصِمُهُ ولا وُصِمَعيب أسْألُ اللهَ لكُمْ إحْمادَالحَمْد وِصالِهِ ودَوامَ إسْعادِهِ وألْهَمَ كُلاً إصْلاحَ حالِهِ والإعْدادَ لمَعادِهِ ولهُ الحمْدُ السّرمَدُالدائم والمدْحُ لرَسولِهِ محمّدٍ

فلمّا فرَغَ منْ خُطبَتِه البَديعةِالغريبة التأليف النّظامِ العَريّةِالعاطلة من النقط منَ الإعْجامِإزالة الحركات عقَدَ العقْدَ على الخمْسِ المِئِينَ

وقال لي: بالرِّفاء والبَنينَ

ثمّ أحضرَ الحَلْواءَ التي كانَ أعدّها وأبْدى الآبِدَةَالداهية عندَها فأقبلْتُ إقْبالَ الجماعَةِ علَيْها وكِدْتُ أهوي بيَدي إلَيْها فزجَرَني عنِ المؤاكَلَةِ وأنْهَضَني للمُناوَلَةِ فوَاللهِ ما كان بأسرَعَ منْ تصافُحِ الأجْفانِالعين، الجفن

حتى خرّسقط القوْمُ للأذْقان

فلمّا رأيتُهُمْ كأعْجازِ نخْلٍ خاوِيَةٍفارغة أو كصَرْعى بنتِ خابيَةٍ علِمْتُ أنّها لإحْدى الكُبَرِأمر وأمُّ العِبَرِدروس

فقلتُ له: يا عُدَيّعدو نفْسِهِ وعُبَيْدَ فَلْسِهِ! أعددتَ للقَوْمِ حُلْوى أم بَلْوى؟

فقال: لمْ أعْدُ خَبيصَحلوى البَنْجِنبات يسكر منه

في صِحافِأطباق الخلَنْجأداة خشبية! فقلتُ: أُقسِمُ بمَنْ أطْلَعَه زُهْراًمضيئة وهَدَى بها السّارينَمسافرين طُرّاًجميعاً لقدْ جِئْتَ شيئاً نُكْراًمنكرا وأبقَيْتَ لكَ في المُخزِياتِمخزية ذِكْراً

ثمّ حِرْتُ فِكرةً في صَيّورِ أمِهِ وخيفَةً منْ عدْوى عرّهِ

حتى طارَتْ نفسي شَعاعاً وأُرعِدَتْ فَرائِصي ارْتِياعاً

فلمّا رأى استِطارَةَ فرَقي واسْتِشاطَةَ قلَقي

قال: ما هَذا الفِكْرُ المُرْمِضُمحرق والرّوْعُ المومِضُمُشعّ؟ فإنْ يكُنْ فِكرُك في أجْليموتي منْ أجْليجنايتي فأنا الآنَ أرتَعُأعيش بحرية وأطْفِرُ

وأقوِي هذِهِ البُقْعَةَ مني وأُقفِرُ وكمْ مثلِها فارَقْتُها وهيَ تصفِرُتصفرّ وإنْ يكُنْ نظَراً لنفْسِكَ وحذَراً منْ حبسِكَ فتناوَلْ فُضالَةَبقية الخَبيصِنوع من الحلواء وطِبْ نفْسً عنِ القَميصِ

حتى تأمَنَ المُستَعديَمُؤذٍ والمُعْديَ ويتمهّدَ لكَ المُقامُ بعْدي وإلا فالمفَرَّ المفَرَّالهروب قبْلَ أن تُسْحَبَتجرّ وتُجَرَّ

ثمّ عمَدَ لاستِخْراجِ ما في البيوتِ منَ الأكْياسِأوعية الدراهم والتّخوتِ وجعلَ يستَخْلِصُيختار خالِصَةَخلاصة كلّ مخزونٍ ونُخبَةَ كلّ مَذْروعٍمُقدّر وموزونٍ

حتى غادرَ ما ألْغاهُأخرجه فخُّهُ كعظْمٍ استُخرِجَ مُخُّهُلبّ

فلمّا همّنَ ما اصْطَفاهُ ورزَمَ وشمّرَ عنْ ذِراعَيْهِ وتحزّمَ أقبَلَ عليّ إقْبالَ منْ لبِسَ الصّفاقَةَ وخلَعَ الصّداقَةَ

وقال: هلْ لكَ في المُصاحبَةِ الى البَطيحَةِ لأزوّجَكَ بأخْرى مَليحَةٍ؟ فأقْسَمْتُ لهُ بالذي جعلَهُ مُبارَكاً أيْنَما كان ولمْ يجْعَلْهُ ممّنْ خانَ في خانٍ إنهُ لا قِبَلَ لي بنِكاحِ حُرّتَينِ ومُعاشَرَةِ ضَرّتَينِ

ثمّ قلتُ لهُ قوْلَ المتطبّعِ بطِباعِهِالمتخلّق بخلقه

الكائِلِالذي أعطاه لهُ بصاعِهِ: قدْ كفَتْني الأولى فخْراً فاطْلُبْ آخرَ للأخْرى فتبسّمَ منْ كلامي ودلَفَ لالْتِزامي فلوَيْتُ عنهُ عِذاري وأبدَيْتُ لهُ ازْوِراريانقباضي

فلمّا بصُرَ بانقِباضي وتجلّى لهُ إعْراضيتركي إقبالي

أنشدَ: حَبَ وتُجَرَّ

ثمّ عمَدَ لاستِخْراجِ ما في البيوتِ منَ الأكْياسِ والتّخوتِ وجعلَ يستَخْلِصُ خالِصَةَخيار كلّ مخزونٍ ونُخبَةَ كلّ مَذْروعٍ وموزونٍ

حتى غادرَ ما ألْغاهُ فخُّهُ كعظْمٍ استُخرِجَ مُخُّهُ

فلمّا همّنَ ما اصْطَفاهُ ورزَمَ وشمّرَ عنْ ذِراعَيْهِ وتحزّمَ أقبَلَ عليّ إقْبالَ منْ لبِسَ الصّفاقَةَ وخلَعَ الصّداقَةَ

وقال: هلْ لكَ في المُصاحبَةِ الى البَطيحَةِ لأزوّجَكَ بأخْرى مَليحَةٍ؟ فأقْسَمْتُ لهُ بالذي جعلَهُ مُبارَكاً أيْنَما كان ولمْ يجْعَلْهُ ممّنْ خانَ في خانٍ إنهُ لا قِبَلَ لي بنِكاحِ حُرّتَينِ ومُعاشَرَةِ ضَرّتَينِ

ثمّ قلتُ لهُ قوْلَ المتطبّعِ بطِباعِهِ

الكائِلِ لهُ بصاعِهِ: قدْ كفَتْني الأولى فخْراً فاطْلُبْ آخرَ للأخْرى فتبسّمَ منْ كلامي ودلَفَ لالْتِزامي فلوَيْتُ عنهُ عِذاري وأبدَيْتُ لهُ ازْوِراري

فلمّا بصُرَ بانقِباضي وتجلّى لهُ إعْراضي

أنشدَ:

يا صارِفاًمنحنيا عنّي المو

دّةَ والزّمانَ لهُ صُروفْدفوع

ومُعنّفي في فضْحِ منْ

جاورْتُ تعْنيفَ العَسوفْ

لا تلْحِني فيما أتيْ

تُ فإنّني بهمِ عَروفْ

ولقدْ نزلْتُ بهمْ فلمْ

أرَهُم يُراعونَ الضّيوفْ

وبلَوْتُهُمْ فوجدْتُهُمْ

لمّا سبَكْتُهُمُ زُيوفْغش

ما فيهِمِ إلا مُخي

فٌ إنْ تمكّنَ أو مَخوفْ

لا بالصّفيّ ولا الوَفيّ

ولا الحَفيّ ولا العَطوفْ

فوثبْتُ فيهمْ وثْبَة

الذئبِ الضّريّ على الخَروفْ

وتركتُهُمْ صرْعىقتلى كأنه

مْ سُقوا كأسَ الحُتوفْ

وتحكّمَتْ في ما اقْتَنوْ

هُ يَدي وهُمْ رُغْمُ الأنوفْ

ثمّ انْثَنَيْتُ بمَغْنَمٍ

حُلْوِ المَجانيما يجنى والقُطوفْ

ولَطالَما خلّفْتُ مكْ

لومَ الحشىإسقاط الجوف خلْفي يطوفْ

ووَتَرْتُ أرْبابَ الأرا

ئِكِ والدّرانِكِ والسّجوفْ

ولَكَمْ بلغْتُ بحيلَتي

ما ليسَ يُبلَغُ بالسّيوفْ

ووَقفْتُ في هوْلٍ تُرا

عُ الأُسْدُ فيهِ منَ الوقوفْ

ولكَمْ سفكتُ وكمْ فتكْتُعتيت

وكمْ هتكْتُقطعت حِمى أَنوفْكثير الأنفة

وكَمِ ارْتِكاضٍجري واضطراب موبِقٍمهلك

لي في الذّنوبِ وكم خُفوفْإسراع

لكنّني أعدَدْتُ حُسْ

نَ الظّنّ بالمَوْلى الرّؤوفْ

قال: فلمّا انتهى الى هذا البيتِ لجّ في الاستِعْبارِ وألَظَّ بالاستِغْفارِ

حتى اسْتَمالَ هوَى قلْبي المُنحرِفِ ورجَوْتُ لهُ ما يُرْجى للمُقْتَرِفِ المُعْتَرِفِ

ثمّ إنّهُ غيّضَجفّف وغيّب دمْعَهُ المُنْهَلّالسائل وتأبّطَ جِرابَهُ وانْسَلّ

وقال لابنِهِ: احتَمِلِ الباقي واللهُ الواقي

قال المُخْبِرُ بهذِه الحِكاية: فلمّا رأيتُ انْسِيابَمشي لا يحسّ به الحيّةِالشيخ والحُيَيّةِ وانتِهاءَ الدّاء الى الكَيّةِ علِمْتُ أن ترَبُّثي بالخانِ مَجْلَبَةٌ للهَوانِ فضمَمْتُ رُحَيْلي وجمَعْتُ للرّحلَةِ ذَيْلي وبِتُّ ليْلَتي أسْريأمشي بالليل الى الطّيبِقرية بالعراق وأحتَسِبُ اللهَ على الخَطيبِ