حدّث الحارثُ بنُ همّام قال: لحظْتُ في بعضِ مطارِحِمواضع البَينِالفراق ومطامِحِ العينِ فِتيَةًشباب عليهِمْ سِيماعلامة الحِجى وطُلاوَةُ نُجومِ الدُجىالظلام وهمْ في مُماراةٍالجدال مشتَدّةِشديدة الهُبوبِهبوب الريح ومُباراةٍ مشتطّةِمتجاوزة الأُلْهوبِالجري السريع فهزّني لقَصْدِهمْ هوىرغبة المُحاضرَةِالمجالسة واستِحْلاءُ جنىفوائد المُناظرةِالنقاش
فلمّا التحقْتُ برهْطِهِمْ وانتظمْتُ في سِمْطِهمْصفهم
قالوا: أأنتَ ممّنْ يُبْلىيقاتل في الهَيْجاءالحرب ويُلْقي دَلْوَهُ في الدِّلاء؟
فقلت: بل أنا منْ نظّارَةِالمشاهدون الحرْبِ لا منْ أبناء الطّعْنِ والضّرْبِ فأضْرَبوا عن حِجاجيحجتي وأفاضوا في التّحاجيالألغاز وكانَ في بحبوحةِوسط حلْقَتِهِمْمجلسهم وإكْليلِ رُفقَتِهِمْ شيخٌ قد برَتْهُأضعفته الهُمومُ ولوّحَتْهُ السَّمومُالسموم
حتى عادَ أنْحلَأضعف منْ قلَمٍ وأقْحلَ منْ جلَمٍالصخر إلا أنهُ كان يُبدي العُجابَالعجائب
إذا أجابَ ويُنْسي سحْبانَ كلّما أبانَ فأُعجِبْتُ بما أوتيَ من الإصابَةِ والتّبريزِ على تلكَ العِصابةِ وما زالَ يفضَحُ كلَّ مُعمًّى ويُصْمي في كلّ مرْمًى الى أن خلَتِ الجِعابُأوعية السهام ونفِدَ السّؤالُ والجوابُ
فلما رأى إنْفاضَتفرق القوْمِ واضْطِرارَهُمْ الى الصّومِ عرّضَ بالمُطارَحَةِ واستأذنَ في المُفاتَحةِبدء حديث فقالوا
له: حبّذا ومنْ لنا بِذا؟
فقال: أتعرِفونَ رِسالةً أرْضُها سماؤهاأعلاها أسفلها وصُبحُها مساؤها؟ نُسِجَتْ على مِنوالَينِ وتجلّتْ في لوْنَينِ وصلّتْ الى جِهَتَينِ وبدتْ ذات وجهَينِ إنْ بزغَتْطلعت منْ مشرِقِها فناهيكَ برَونَقِها وإنْ طلعَتْ منْ مغرِبِها
فَيا لعَجَبِها! قال: فكأنّ القومَ رُموا بالصُّماتِ أو حقّتْ عليهِمْ كلمةُ الإنْصاتِ فما نبَسَ منهُمْ إنسانٌ ولا فاهَ لأحدِهِمْ لِسانٌ فحينَ رآهُم بُكْماً كالأنْعامِ وصُموتاً كالأصْنامِ
قال لهُمْ: قدْ أجّلتُكُمْ أجَلَ العِدّةِ وأرخَيت لكُمْ طِوَلَ المُدّةِ
ثم هاهُنا مجمَعُ الشّمْلِ وموقِفُ الفصْلِ فإنْ سمحَتْ خواطرُكُمْ مدَحْنا وإنْ صلدَتْ زِنادُكُمْ قدَحْنا
فقالوا لهُ: واللهِ ما لَنا في لُجّةِ هذا البحرِ مسبَحٌ ولا في ساحِلِهِ مسرَحٌ فأرِحْ أفكارَنا منَ الكدّ وهنّئِ العطيّةَ بالنّقْدِ واتّخِذْنا إخواناً يثِبونَ إذا وثَبْتَ ويُثيبونَ متى استَثَبْتَ فأطْرَقَ ساعةً
ثمّ قال: سمْعاً لكُمْ وطاعةً! فاستَمْلوا مني
وانْقُلوا عني: الإنسانُ صَنيعةُصنع الخير الإحسانِ وربُّ الجَميلِ فِعْلُ النّدْبِفضيلة وشيمَةُ الحُرّ ذخيرَةُمدّخر الحمْدِ وكسْبُ الشُكْرِ استِثْمارُتوظيف السّعادةِ وعُنوانُ الكرَمِ تباشيرُبشائر البِشْرِ واستِعْمالُ المُداراةِالتلطف يوجِبُ المُصافاةَالصفاء وعقْدُ المحبّةِ يقتَضي النُصْحَ وصِدْقُ الحديثِ حِليةُزينة اللّسانِ وفصاحَةُ المنطِقِ سحرُ الألْبابِالعقول
وشرَكُ الهوى آفَةُضرر النّفوسِ وملَلُ الخلائقِ شَينُعيب الخلائقِ وسوءُ الطّمعِ يُبايِنُيخالف الورَعَ والتِزامُ الحَزامَةِالحكمة زِمامُوسيلة السّلامَةِ وتطلُّبُ المثالِبِالعيوب شرُّ المَعايِبِ وتتبُّعُ العثَراتِ يُدْحِضُيبطل المودّاتِالمحبة وخُلوصُ النيّةِ خُلاصةُجوهر العطيّةِ وتهنئةُ النّوالِالهبة ثمَنُ السّؤالِ وتكلُّفُ الكُلَفِالمشاق يسهِّلُ الخَلَفَ وتيقُّنُ المَعونَةِ يُسَنّييُسهِّل المؤونَةَ وفضْلُ الصّدْرِالمتقدم سعَةُ الصّدرِ وزينَةُ الرُعاةِالحرّاس مقْتُبغض السُعاةِالعمّال وجَزاءُ المدائِحِالثناء بثُّنشر المَنائِحِالعطايا ومهْرُ الوسائِلِ تشفيعُالشفاعة المسائِلِسؤال المحتاج ومجلَبَةُ الغَوايةِالضلال استِغْراقُإحاطة الغايةِ وتجاوزُ الحدّ يُكِلّيثقل الحدَّ
وتعدّي الأدَبِ يُحبِطُيفسد القُرَبَ وتناسي الحُقوقِ يُنشِئُيظهر العُقوقَالمقاطعة وتحاشي الرِّيَبِالتّهم يرفَعُ الرُتَبَالمنازل الرفيعة وارتِفاعُ الأخطارِجمع خطر باقتِحامِ الأخطارِ وتنوّهُ الأقْدارِمنزلة بمؤاتاةِ الأقْدارِ وشرَفُ الأعْمالِ في تقْصيرِ الآمالِتقليل الرجاء وإطالةُ الفِكرَةِالتدبير تنقيحُتخليص الحِكمَةِ ورأسُ الرّئاسةِ تهذُّبُتخلص السّياسَةِحسن المداراة ومع اللّجاجَةِركوب الرأس تُلْغىتترك الحاجةُ وعندَ الأوْجالِ تتفاضَلُ الرّجالُ وبتفاضُلِ الهِمَمِ تتفاوتُ القِيَمُالمنازل وبتزيُّدِ السّفيرِ يهِنُيضعف التّدبيرُ وبخلَلِ الأحوالِ تتبيّنُ الأهْوالُ وبموجَبِ الصّبرِ ثمَرَةُ النّصْرِ واستِحقاقُ الإحْمادِمحمود بحسَبِ الاجْتِهادِ ووجوبُ المُلاحظَةِ كِفاءُ المُحافظَةِ وصفاءُ المواليالعبيد والأتباع بتعهُّدِ المَوالي وتحلّي المُروءاتِ بحِفْظِ الأماناتِ واختِبارُ الإخْوانِ بتخْفيفِ الأحْزانِ ودفْعُ الأعْداء بكفّ الأودّاءالأحباب
وامتِحانُ العُقَلاء بمُقارَنَةِ الجُهَلاء وتبصُّرُ العَواقِبِ يؤمنُ المَعاطِبَالمهالك واتّقاءُ الشُنْعَةِالفعل القبيح ينشُرُ السُمْعَةَ وقُبْحُ الجَفاءسوء الأدب يُنافييباعد الوَفاء وجوهَرُ الأحْرارِ عندَ الأسْرارِ
ثمّ قال: هذهِ مِئَتا لفظَةٍ تحتوي على أدَبٍ وعِظَةٍ فمَنْ ساقَها هذا المَساقَ فلا مِراءَ ولا شِقاقَ ومنْ رامَ عكْسَ قالَبِها وأنْ يردّها على عقِبِها
فلْيَقُلْ: الأسْرارُ عندَ الأحرارِ وجوهرُ الوَفاء ينافي الجَفاء وقُبْحُ السُمعةِ ينشُرُ الشُنعَةَ
ثمّ على هذا المسحَبِ فليَسْحَبْها ولا يرْهَبْها
حتى تكونَ خاتِمَةُ فِقَرِها
وآخِرَةُ دُرَرِها: ورَبُّ الإحسانِ صنيعَةُ الإنسانِ
قال الراوي: فلمّا صدَعَ برسالَتِه الفَريدةِ وأُملوحَتِهِ المُفيدةِ علِمْنا كيفَ يتفاضَلُ الإنْشاءُالكتابة وأنّ الفضْلَالزيادة بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ
ثمّ اعْتَلَقَالتصق كلٌ منّا بذَيلِه وفلَذَ لهُ فِلذَةًقطعة من نيْلِهِعطاؤه فأبى قَبولَ فِلْذَتي
وقال: لستُ أرْزأُ تلامِذَتيطلابي
فقلتُ له: كُنْ أبا زيدٍ على شُحوبِصفرة سَحنتِكَهيئتك ونُضوبِ ماء وجْنتِكَخدك
فقال: أنا هوَ على نُحوليهزالي وقُحولي وقشَفِ مُحوليعقوري فأخذْتُ في تثريبِهلومه على تشْريقِه وتغريبِه فحوْلَقَ واسترْجَعَ
ثمّ أنشدَ منْ قلْبٍ موجَعٍ: تِحانُ العُقَلاء بمُقارَنَةِ الجُهَلاء وتبصُّرُ العَواقِبِ يؤمنُ المَعاطِبَ واتّقاءُ الشُنْعَةِ ينشُرُ السُمْعَةَ وقُبْحُ الجَفاء يُنافي الوَفاء وجوهَرُ الأحْرارِ عندَ الأسْرارِ
ثمّ قال: هذهِ مِئَتا لفظَةٍ تحتوي على أدَبٍ وعِظَةٍ فمَنْ ساقَها هذا المَساقَ فلا مِراءَ ولا شِقاقَ ومنْ رامَ عكْسَ قالَبِها وأنْ يردّها على عقِبِها
فلْيَقُلْ: الأسْرارُ
عندَ الأحرارِ وجوهرُ الوَفاء ينافي الجَفاء وقُبْحُ السُمعةِ ينشُرُ الشُنعَةَ
ثمّ على هذا المسحَبِ فليَسْحَبْها ولا يرْهَبْها
حتى تكونَ خاتِمَةُ فِقَرِها
وآخِرَةُ دُرَرِها: ورَبُّ الإحسانِ صنيعَةُ الإنسانِ
قال الراوي: فلمّا صدَعَ برسالَتِه الفَريدةِ وأُملوحَتِهِ المُفيدةِ علِمْنا كيفَ يتفاضَلُ الإنْشاءُ وأنّ الفضْلَ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ
ثمّ اعْتَلَقَ كلٌ منّا بذَيلِه وفلَذَ لهُ فِلذَةً من نيْلِهِ فأبى قَبولَ فِلْذَتي
وقال: لستُ أرْزأُ تلامِذَتي
فقلتُ له: كُنْ أبا زيدٍ على شُحوبِ سَحنتِكَ ونُضوبِ ماء وجْنتِكَ
فقال: أنا هوَ على نُحولي وقُحولي وقشَفِ مُحولي فأخذْتُ في تثريبِه على تشْريقِه وتغريبِه فحوْلَقَ واسترْجَعَ
ثمّ أنشدَ منْ قلْبٍ موجَعٍ:
سَلَّ الزّمانُ عليّ عضْبَهْ
ليَروعَني وأحَدَّ غَرْبَهْبعد
واستَلّ منْ جَفْني كَرا
هُ مُراغِماً وأسالَ غَربَهْ
وأجالَني في الأفْقِ أطْ
وي شرْقَهُ وأجوبُ غرْبَهْ
فبِكُلّ جوٍّناحية طلْعَةٌظهور
في كلّ يومٍ لي وغَرْبَهْ
وكذا المُغرِّبُالمبعد شخصُهُ
متغرّبٌالمقيم بالغربة ونواهُ غرْبَهْ
ثمّ ولّى يجُرّ عِطفَيْهِجانبي الثوب ويخطِرُ بيَدَيْهِ ونحنُ بين متلفّتٍ إليهِ ومتهافِتٍ عليهِ
ثمّ لمْ نلبَثْ أن حللْنا الحِبى وتفرّقنا أياديَ سَباقوة سبأ