حكى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: يمّمْتُقصدت ميّافَارِقينَ معَ رُفقةٍ مُوافِقينَ لا يُمارونَيجادلون في المُناجاةِالمحادثة ولا يدْرونَ ما طعْمُ المُداجاةِإخفاء العداوة فكُنتُ بهِمْ كمَنْ لمْ يرِمْيزل عنْ وَجارِهِبلده ولا ظعَنَرحل عنْ أليفِهِصاحبه وجارِهِ
فلمّا أنخْنا بها مطايا التّسْيارِ وانتقلْنا عنِ الأكوارِ الى الأوْكارِ تواصَيْنا بتَذْكارِ الصُحْبَةِ وتناهَيْنا عنِ التّقاطُعِ في الغُربَةِ واتّخذْنا نادِياً نعتَمِرُهُ طرَفَيبصري النهارِ ونتَهادَى فيهِ طُرَفَ الأخْبارِ
فبَينَما نحنُ بهِ في بعضِ الأيامِ وقد انتظَمْنا في سِلكِ الالتِئامِ وقفَ علَيْنا ذو مِقْوَلٍ جريّ وجرْسٍ جهْوَريّ فحَيّا تحيّةَ نفّاثٍ في العُقَدِ قنّاصٍ للأسَدِ والنّقَدِ
ثمّ قال:
عِنديَ يا قومُ حديثٌ عَجيبْ
فيهِ اعْتِبارٌ للّبيبِ الأريبْالعاقل
رأيتُ في رَيْعانِأول عُمْري أخا
بأسٍ لهُ حدُّ الحُسامِ القَضيبْالسيف القاطع
يُقْدِمُ في المَعْرَكِموضع القتال إقْدامَ منْ
يوقِنُ بالفَتْكِ ولا يسْتَريبْ
فيُفْرِجُ الضّيقَ بكَرّاتِه
حتى يُرى ما كان ضَنْكاًضيقا رَحيبْواسع
ما بارَزَقاتل الأقْرانَالأمثال إلا انْثَنىرجع
عنْ موقِفِ الطّعْنِ برُمحٍ خضيبْمخضوب
ولا سَماارتفع وقام يفتَحُ مُستَصْعِباً
مُستَغْلِقَ البابِ مَنيعاًصعب ممنوع مَهيبْمخوف
إلا ونودِي حينَ يسْمو لهُ
نصْرٌ منَ اللهِ وفتْحٌ قَريبْ
هذا وكمْ من ليلَةٍ باتَها
يَميسُيتبختر في بُرْدِ الشّبابِ القَشيبْ
يرتَشِفُيقبّل ويمصّ الغِيدَاللينة المفاصل ويرشُفْنَهُ
وهْوَ لدى الكُلّ المُفَدّى الحبيبْ
فلم يزَلْ يبتَزّهُ دهرُهُ
ما فيهِ منْ بطْشٍ وعودٍ صَليبْ
حتى أصارَتْهُ اللّيالي لَقًى
يَعافُهُ منْ كان منهُ قَريبْ
قد أعجزَ الرّاقيَ تحْليلُ ما
بهِ منَ الدّاء وأعْيا الطّبيبْ
وصارَمَ البيضَ وصارَمْنَهُ
من بعدِ ما كانَ المُجابَ المُجيبْ
وآضَ كالمنْكوسِ في خَلْقِهِ
ومَنْ يَعِشْ يَلقَ دواهي المَشيبْ
وها هُوَ اليومَ مُسَجّى فمَنْ
يرْغَبُ في تكْفينِ ميْتٍ غَريبْ
ثمّ إنهُ أعلنَ بالنّحيبِ وبكى بُكاءَ المُحبّ على الحَبيبِ
ولما رقأتْجفت دمعَتُهُ وانْفثأتْ لوْعَتُهُشدة حزنه
قال: يا نُجعَةَمقصد الرّوادِطالبو الخير وقُدوَةَ الأجْوادِالكرماء
واللهِ ما نطَقْتُ ببُهْتانٍ ولا أخبَرْتُكُمْ إلا عنْ عِيانٍمشاهدة ولوْ كان في عَصايَ سيْرٌحبل ولغَيمي مُطَيْرٌما يطير لاستأثرْتُانفردت به بما دعَوْتُكُمْ إليْهِقسم
ولما وقْفتُ موقِفَ الدّالّالمرشد علَيْهِ
ولكنْ كيفَ الطّيرانُ بلا جَناحٍعضو طيران وهلْ على منْ لا يجِدُ منْ جُناحٍ؟
قال الرّاوي: فطفِقَ القومُ يأتَمِرونَ في ما يأمُرونَ ويتخافَتونَ في ما يأتُونَ فتوهّمَ أنهُم يتمالَؤون على صَرْفِهِ بحِرْمانٍ أو مُطالَبَتِه ببُرْهانٍ
ففرطَ منهُ أنْ قال: يا يلامِعَ القاعِ ويَرامِعَ البِقاعِ ما هذا الارْتِياء الذي يأباهُ الحَياء؟ حتى كأنّكُمْ كُلّفْتُمْ مشَقّةً لا شُقّةً أوِ استُوهِبتُمْ بلدَةً لا بُرْدَةً أو هُزِزْتُمْ لكِسوَةِ البيْتِ لا لتَكْفينِ الميْتِ؟ أُفٍّ لمَنْ لا تَنْدى صَفاتُهُ ولا ترْشَحُ حَصاتُهُ! فلمّا بصُرَتِ الجَماعَةُ بذِلاقَتِهِ
ومرارَةِ مَذاقَتِهِ رفأهُ كُلٌ منْهُمْ بنَيْلِهِ واحتَمَلَ طلَّهُ خوْفَ سيْلِهِ
قال الحارثُ بنُ همّام: وكان هذا السّائلُ واقِفاً خلْفي ومُحتَجِباً بظهْري عنْ طرْفي
فلمّا أرْضاهُ القومُ بسَيْبِهِمْ وحقّ عليّ التّأسّي بهِمْ خلَجْتُ خاتَمي من خِنصِري ولفتّ إليهِ بصَري
فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيُّ بِلا فِريَةٍ ولا مِرْيَةٍ فأيقَنْتُ أنّها أُكذوبَةٌ تكذَّبَها وأُحبولَةٌ نصبَها إلا أنّني طويْتُهُ على غَرّهِ وصُنْتُ شَغاهُ عنْ فرّهِ فحَصَبْتُهُ بالخاتَمِ
وقلتُ: أرصِدْهُ لنفَقَةِ المأتَمِ
فقال: واهاً لكَ فما أضْرَمَ شُعْلَتَك وأكْرَمَ فَعْلتَكَ! ثمّ انطلَقَ يسْعى قُدْماً ويهرْوِلُ هرْولَتهُ قِدْماً فنزَعْتُ الى عِرْفانِ ميّتِه وامتِحانِ دعْوى حميّتِهِ فقرَعْتُ ظُنْبوبي وألْهبْتُ أُلْهوبي
حتى أدركْتُه على غَلوَةٍ واجتَلَيْتُهُ في خَلوَةٍ فأخَذْتُ بجُمْعِ أرْدانِه وعُقْتُهُ عن سُنَنِ ميْدانِهِ
وقلتُ لهُ: واللهِ ما لك منّي ملْجأٌ ولا منْجًى أو تُريني ميّتَكَ المُسَجّى! فكشفَ عنْ سراويلِه وأشار الى غُرْمولِهِ
فقلتُ لهُ: قاتلَكَ اللهُ فما ألْعبَكَ بالنُهى وأحيَلَكَ على اللُّهَى! ثمّ عُدْتُ الى أصحابي عوْدَ الرّائِدِ الذي لا يكذِبُ أهلَهُ ولا يُبَرقِشُ قولَهُ فأخبَرْتُهُمْ بالذي رأيتُ وما ورّيتُ ولا رأيتُ فقَهْقهوا منْ كَيْتَ وكَيْتَ ولعَنوا ذلِكَ المَيْتَ